رثاء قامة وطنية سامقة​

رثاء قامة وطنية سامقة​

Loading

            ​بسم الله الرحمن الرحيم.
قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) صدق الله العظيم.
​ فجيعة الرحيل
​الموت حقٌ على كل حي، فحين يأتينا هذا المصاب الجلل فيمن نحب تختلف ردود أفعالنا معبرةً عما تختلجه صدورنا من الحزن والأسى. نعم إن الفقد مر وموجع ولكن الفقد الأبدي قاتل.
​توقف القلب المجهد العاشق للجراحة برحيل النَّطّاسي البارع بروفسور الطيب عبد الرحمن علي محمد موسى، في صباح يوم الأربعاء الثالث عشر من نوفمبر ٢٠٢٤ (رحمة الله عليه). وبذلك ودعت صناعة الطب والتعليم الطبي في السودان أحد أبرز رموز الجراحة الذين هاموا بحب المهنة وقضوا حياتهم فيها ولها ومن أجلها.
رثاء قامة وطنية سامقة​ سيرة عطرة وإرث خالد
​لقد ترك الراحل بصماته الخالدة على صفحات تطور مؤسسات الطب وفي قلوب طلبته وزملائه ومرضاه، فكانت حياته العملية مشرفة بإنجازات وطنية مشهودة. ✨
​يا صديقي الراحل: رحلت عن دنيانا تاركاً لنا طيب عملك، وحسن سيرتك، ونقاء سريرتك، وصفاء علاقتك وصدق ودك.
​ذكرياتنا: كنت مميزاً في كل شيء؛ في مزحك وجدك، في مرحك وحزنك، في ملبسك ومركبك، في مبضعك وفي تدريسك.
​أثر الفقد: تلقيت نبأ وفاتك المفجع الذي هزَّ القَلب بمشاعر مرهفة لم أقو على تحملها، لقد فُجعت كما فُجع الآخرون برحيل القامة الوطنية المهنية الطبية.
​ الجراح المعلم والقدوة
​كان رحمه الله جراحاً محترفاً من طرازٍ راقٍ وفريد، ساهم في تدريب الكثير من الجراحين، وكان تخصصه الأثير على قلبه هو تخصيص تدريب النواب الذي أجاده ولمع فيه.
​تميز بشخصيته الجادة جداً وشغفه بالمهنة وعلمه الغزير وحبه للبحث والتقصّي، وحرصه على نقل خبراته إلى كل من يحتاجها، حتى أصبح من المألوف أن تراه في وقت راحته وقد تحلّق حوله النواب والطلاب يستفتونه في أمرٍ أشكل عليهم.
​ لوعة الفراق وتباريح السفر
​ما أصعب على عقلي أن أرثيك يا الطيب الطيب، لكنني أُرغِم قلمي علّني أعبر عن مشاعري الحزينة لأعزي نفسي وأسرتك (التي هي أسرتي) والزملاء والطلاب.
​من أم دوم والخرطوم ولندن ودبلن ومدني وسنجة.. كيف يهون يا أحبة الطيب بجامعة الجزيرة؟ (حمور، عثمان الحسن، علي أب قرجة، إبراهيم سكر، عمر الدرديري، عباس الكارب، عطية، محمداني، ستنا، عثمان طه، عثمان بكري، عثمان خلف الله، عمر ميرغني، علي حبور، قرشي، جعفر مالك، صلاح محمد عمر، وعثمان محمد المصطفى).
​إلى الصامتين المحزونين: أعزيكم يا أهل “أرض المحنّة” من رجال ونساء وشباب، فكلٌ له صفحة مع الطيب. 🌧
​ فاكهة المجالس والجليس الأنيس
​كان الفقيد فاكهة مجالسنا، موثقاً ومؤرخاً مموسقاً، وراوياً لأولاد الماحي، فهو الجليس الأنيس. فيك أيها الفقيد القامة يستوي المُعزِّي والمُعزَّى، وسيظل صيوان العزاء ممتداً ومطولاً.
​واقع الوطن وألم الشتات
​لم يبق في وطني إلا أخبار الموت والفجع، وعذابات النزوح. في كل يوم نُفجع بعزيز، ولا ندري غداً ناعين أم منعيين. لا أقول إلا “لا حول ولا قوة إلا بالله”.
​لقد عرفتك لخمسة عقود؛ طالباً، وزميلاً بالامتياز، ورفيقاً بمستشفى الخرطوم، ثم مبتعثين بأيرلندا، وعدنا لخدمة السودان في مدني وسنجة والخرطوم. فازت بك كلية طب الجزيرة، ثم كنت عميداً لطب الأزهري ورئيساً لمجلس التخصصات.

الوداع الأخير
​كنت عالماً متفرداً، هيناً هادئاً، لطيفاً خلوقاً، مسالماً ومسامحاً. كنت معانداً للجفاء، وخير شاهد على ذلك صداقاتك المتنوعة من كل الأطياف، فالكل يدعي أنك أقرب الناس إليه.
​اللهم تقبله عندك في الصالحين:
​اللهم اغفر له وارحمه، وأكرم نزله ووسع مدخله.
​اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد، وبيض وجهه يوم تبيض وجوه.
​اللهم اجبر كسر أهله؛ زوجته السيدة سعاد عثمان، وبناته إسلام وإيمان وآلاء.
​عليك الرحمة يا “أبا إسماعيل”.. ولنا عفوك وغفرانك يا رب.
​أخوك المكلوم:
الباقر علي الفكي
مكة المكرمة