أحمد ربشه الصومالي.. الذي سكن الوجدان السوداني

أحمد ربشه الصومالي.. الذي سكن الوجدان السوداني

Loading

لم يأتِ أحمد ربشه إلى السودان عابراً، ولم يدخل موسيقاه من باب المصادفة. جاء كما تأتي الريح الدافئة من بحرٍ بعيدٍ، محمّلةً برائحة الموانئ القديمة، وبأصداء لغاتٍ عاشت طويلاً على الشفاه والآلات. كان صوماليّ الميلاد، يمنيّ الجذور، سودانيُّ الروح، وبهذا التكوين النادر كتب أحد أكثر الفصول ثراءاً وتجذراً وعمقاً في تاريخ الموسيقى والغناء بالسودان، رغم فترته القصيرة بها.
اسمه بالكامل أحمد عوض سالم الحامدي، لكن “ربشه” لم تكن لقباً فنياً فحسب؛ كانت هويةً صوتية، ونبرةً لا تُخطئها الأذن. وُلد عام 1948 في الصومال، لأبٍ يمنيٍّ وأمٍ صوماليةٍ يمنيه، فشبّ منذ طفولتهِ على إيقاع التعددِ، وعلى أن الموسيقى ليست وطناً واحداً، بل هو جسرٌ ممتدٌ بين الأوطان. تنقّلَ بين كينيا وإثيوبيا وجيبوتي وأوغندا، قبل أن يستقر به القرار – والقلب – في السودان عام 1973، قاصداً دراسة الموسيقى، وكأن القدر كان يهيئ له المكان الذي سيحتضن صوته الأخير والأبقى.
حين دخل ربشه المعهد العالي للموسيقى والمسرح، كان يحمل تجربة مكتملة وذخيرة فنية وافية، لا طالباً يبدأ من الصفر. التحق بالدفعة الخامسة في قسم التأليف الموسيقي، دفعة صارت لاحقاً واحدة من أنضج أجيال الموسيقى السودانية، وضمت أسماءَ ستغيّر وجه الموسيقى الغناء في السودان منهم: عبد العزيز المبارك، عمر الشاعر، يوسف الموصلي، درديري محمد الشيخ، هاديه طلسم، الفاتح كسلاوي وغيرهم. وسط هذا الجمع، كان ربشه مختلفاً؛ لا يُنافِسْ، بل يُضيء. يدرُسُ، ويستمعُ، ويُجرّبُ، ويعيدُ تركيب النغمِ كما لو كان يعيدُ تركيبَ ذاكرتهِ الخاصة.
تخرّج عام 1979، لكنه في الحقيقة لم يغادر المعهد يوماً. ظل حاضراً في الروح الموسيقية لتلك المرحلة، مشاركاً في تشكيل ما عُرف لاحقًا بالأغنية السودانية المعاصرة. وصفه كثيرون بـ “أب الأغنية المعاصرة”، لا من باب المبالغةِ، بل لأنه ساهم في تحرير اللحنِ من القوالب المغلقة، وساهم في إثراء الأذن السودانية ورفدها بمساحاتٍ جديدةٍ من الإحساسِ الفني والاشتغالِ الموسيقي.
كان ربشه موسيقياً “مُموسقاً” حتى في كلامهِ. صوتهُ العذبُ لا يعتمد على التطريبِ وحدهُ، بل على الوعي اللحنيِّ، وعلى إحساسٍ عميقٍ بالجملة الموسيقية ذاتها. في أغنياته، لا يأتي اللحنُ خادماً للكلمةِ فقط، بل شريكاً لها، محاوراً، وأحياناً سابقاً لها بخطوة. في «النجمة البتحرق شوق» كلمات إسحق الحلنقي، نسمع الشجن السوداني وهو يُصاغ بلغةٍ عالميةٍ، لا تنفصل عن جذورها، لكنها لا تنغلق عليها. وفي «وتسألين» و «بيني ما بينك» (كلمات د. مبارك بشير)، تتجلّى قدرة ربشه على تحويل السؤال العاطفي إلى بناءٍ موسيقيّ متدرج، كأن اللحن نفسه يتردد قبل أن يُجيب.
لم يكن ربشه مغنياً فقط، بل مؤلفاً موسيقياً حقيقياً، يعرفُ أين يضعَ الصمتَ، ومتى يتركُ للآلة أن تقول ما تعجزُ الكلمة عن وصفهِ. أغنيته «يا مقطعاً حلواً» (كلمات عبد العزيز العميري) التي قدّمها خلال دراسته، ظلت شاهداً على موهبةٍ مبكرةٍ، وعلى إحساسٍ مرهفٍ بالنغم العربي، فيما حملت أعماله الأخرى اثناء وبعد دراسته فى معهد الموسيقى مثل (يا مواسم.. بشرى سليمان / د صلاح محمد حسن)، و(بدري من عمرك .. الحلنقى/ ود الحاوى)، و (لا اعرف إسمه.. للشاعر تاج السر كنه)، تنويعاتٍ سودانية، صوماليةٍ ويمنية خفية، لا تظهرُ كزخرفةٍ، بل كجذورٍ تحت التربة.
كان يجيد الإيطالية والإنجليزية والأمهرية والعربية والصومالية، لكن لغتهُ الأصدقُ كانت الموسيقى. بها تواصل، وبها اندمجَ، وبها صار “سودانيّ المزاج” كما كان يُقالُ عنه. لم يَشعرُ يوماً بأنه غريب؛ فقد ذابَ في المجتمع الفني والإنساني، وصار جزءاً أصيلاً من مشهدِه، لا يُسأل عن أصلهِ، بل عن جديدهِ.
حين هاجر إلى الإمارات أواخر السبعينيات، لم يكن ذلك هروباً من الفن، بل توسعاً في مداهُ. ولا ننكر ان هنالك بعض المضايقات فى السودان، قد  دفعته للهجرة ايضاً. عمل مدرساً للموسيقى في مدارس المنشأة العسكرية بوزارة الدفاع، وهناك – كما يروي أسامة بيكلو – عاش تجربةً تربويةً وإنسانيةً بالغة العُمق. كان أستاذاً لا يكتفي بالتلقين، بل ينقلَ شغفهُ، ويجعلَ طلابهُ يعيشون الموسيقى لا يتعلمونها فقط. شخصيتهُ المرحة، ولطفهُ الإنساني، جعلا منه معلماً محفوراً في ذاكرة أجيال.
في الإمارات، عاد ربشه إلى جذورهِ اليمنية، وانغمسَ في التراث الحضرمي، متأثراً بمناخٍ غنيٍّ بحضور أسماءَ كبيرة مثل أحمد فتحي وأبوبكر سالم بلفقيه. كانت جلسات العود هناك مساحاتٍ من التنافس الجميل، ومن الكشف الفني العميق. تعرّف كثيرون من خلالهِ على مدرسةِ حضرموت في العزف، وفهموا سرّ تلك العلاقة الخاصة التي كان يقيمها مع العود: علاقة صداقة لا استعراض.
إشتغل على إعادة توزيع التراث الغنائي الحضرمي، وقدم أعمالاً بُثت عبر القنوات الخليجية، كما لحّن على النغم الشرقي، ونجح في تجارب مع الفنان الإماراتي محمد المازم. لكنه، رغم كل هذا، ظل قلقاً، باحثاً عن الهدوء، عن مسافةٍ تتيحُ له أن يواصل دراسته الأكاديمية. انتقل إلى منطقة نائية قرب أبوظبي، والتحق بكلية موسيقى بريطانية بنظام الدراسة عن بُعد، كأن التعلم عندهُ قدرٌ لا يتوقف.
ثم جاءت لندن، محطة الوداع الاخيرة وهو موجود بمعية اسرته المقيمة هناك . هناك، في المدينةٍ الباردةٍ، أسلم أحمد ربشه روحه، في 26 يناير 2003، بعد صراع مع مرض أصاب صدرهُ وشِعبهِ الهوائية. رحل في صمتٍ يشبههُ، ودُفنَ بعيداً عن الخرطوم التي أحبها وأحبته، وعن مقديشو التي أنجبته، لكنّ صوتهُ لم يُدفن.
قال عنه صديقه الموسيقار يوسف الموصلي:
(أحمد ربشه فنان ليس له مثيل، لا في السودان ولا في العالم العربي.. لقد قصرنا في حقه، وتركناه يرحل في صمت مدهش).
وربما كان ذلك الصمتُ جزءاً من قدرهِ؛ فبعضُ الفنانين لا يصرخون، بل يتركون للأغنيةِ أن تتكفلَ بالبقاء.

أحمد ربشة لم يكن مُجردَ إسمٍ في سجلِ الغناء، بل تجربةً إنسانيةً، وموسيقي عابرةً للحدود. جمع بين البحر والصحراء، بين العود والإيقاع الأفريقي، بين الأكاديمية والحدس. رحل جسداً، لكن موسيقاه ما زالت تمشي بيننا، هادئةً، واثقةً، مثل فنانٍ عرِفَ أن الجمال الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيجٍ ليبقى.