![]()
في ساعات الصباح الأولى من يوم السبت 28 فبراير/ شباط الماضي، اندلعت الحرب على إيران، وشرعت الصواريخ الأميركية والإسرائيلية في ضرب أهدافها، وما كان احتمالًا أصبح حقيقة دامية على الأرض.
على الضفة الأخرى من الخليج العربي، لم يكن الحريق الجديد مفاجئًا، وإن كانت ثمة رهانات على تجنّبه.
إنها الحرب مجددًا على أبواب منطقة ارتبطت بعلاقات جوار مضطربة مع إيران منذ الإطاحة بالشاه محمد رضا بهلوي عام 1979، وبمحاولات هيمنة من طرف واحد قبل ذلك.
صورة تعود إلى عام 1987 لقادة دول مجلس التعاون الخليجي في الرياض – غيتي
فقد كانت المخاوف من خططها التوسعية سببًا رئيسيًا في توحيد دول الخليج العربي تحت مظلة تعاون سياسي واحدة.
كما تسبّبت العلاقة معها، صداقةً أو عداءً، في العصف بهذه الوحدة، قبل أن تتكفّل الحرب الأميركية والإسرائيلية الأخيرة عليها بإعادة اللُّحمة إلى العلاقات البينية لدول مجلس التعاون الخليجي.
الهجمات الإيرانية توحّد دول الخليج
في يوم اندلاع الحرب على إيران، بادر الرجل القوي في السعودية، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إلى الاتصال هاتفيًا بقادة دول مجلس التعاون والأردن: الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وأمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، وملك الأردن عبد الله الثاني.
وقالت وكالة الأنباء السعودية الرسمية إن الأمير محمد أكد لهؤلاء القادة تضامن بلاده الكامل ووقوفها إلى جانب دولهم، ووضع إمكاناتها كافة لمساندتهم “في كل ما يتخذونه من إجراءات تجاه الاعتداءات الإيرانية الغاشمة التي تعرضت لها دولهم”.
وباتصاله بالرئيس الإماراتي، تجاوز ولي العهد السعودي أزمة كادت تعصف، قبل نحو شهرين، بالعلاقات بين البلدين على خلفية تطورات الأوضاع الميدانية في جنوبي اليمن.
وكان الخلاف بين البلدين الأسوأ بين دول الخليج بعد أزمة حصار قطر عام 2017.
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الإماراتي محمد بن زايد – غيتي
وبينما كانت إيران في قلب أزمة الحصار التي كادت تودي بمجلس التعاون الخليجي نفسه، فإن طهران، للمفارقة، كانت من أسباب تجاوز الأزمة بين أبو ظبي والرياض، وإعادة اللُّحمة إلى المجلس الخليجي وتوحيد مواقف دوله في الحرب الأخيرة على إيران.
شعور خليجي بالخيانة
ففي أول رد عسكري لها على الهجوم الأميركي والإسرائيلي، أطلقت إيران عشرات الصواريخ والمسيّرات على دول المنطقة، رغم علاقاتها الجيدة تاريخيًا ببعضها، مثل قطر التي تتشارك معها في أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، وقيام بعضها الآخر، مثل سلطنة عُمان، بالتوسط حتى آخر لحظة للحيلولة دون نشوب الحرب، ما ولّد لدى هذه الدول شعورًا بالخيانة، وكأن طهران طعنتها من الخلف من دون أي مبرر.
وعبّر عن ذلك رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني الأحد الماضي في مقابلة مع شبكة سكاي نيوز البريطانية، قائلًا إن الهجمات الإيرانية على بلاده ودول الخليج “خطأ فادح”، وإنها أشعرت قطر “بخيانة كبيرة”.
رئيس الوزراء القطري تحدث عن شعور كبير بالخيانة بعد الهجمات الإيرانية – غيتي
وتساءل رئيس الوزراء القطري باستهجان عن مبررات قصف طهران منشآت مدنية في بلاده ودول المنطقة، قائلًا إن ربع هذه الهجمات “يستهدف منشآت مدنية”، محذرًا، في الوقت نفسه، من أن ما يحدث في الخليج “لن يبقى حبيسًا فيه”.
وفي المقابل، شدّد المسؤول القطري على أن بلاده “أوضحت بشكل جلي أنها لن تخوض أي حروب ضد جيرانها”، وقال إن الدبلوماسية تبقى هي السبيل الوحيد الممكن للخروج من الأزمة، مشددًا على أن بلاده تواصل السعي إلى خفض التوتر.
“إنهم جيراننا وهذا قدرنا”
وكانت إيران قد قصفت قاعدة العديد الأميركية في قطر خلال حرب الاثني عشر يومًا في يونيو/ حزيران 2025.
وفي الحرب الحالية، استهدفت إيران أيضًا كبرى المنشآت القطرية للطاقة في رأس لفان، في وقت دفعت فيه التطورات الدوحة إلى تعليق إنتاج الغاز الطبيعي المسال وإعلان حالة القوة القاهرة لعدد من عملائها.
هجمات تستهدف منشآت حيوية ومدنية
بينما واصلت إيران هجماتها على دول المنطقة، واستهدف بعضها المنشآت النفطية، أعلنت شركة “بابكو إنرجيز” التي تدير مصفاة النفط الحكومية الرئيسية في البحرين، الاثنين الماضي، حالة القوة القاهرة على عمليات المجموعة، بعد استهداف جديد لإحدى وحداتها.
وكرّرت السعودية، في اليوم نفسه، إدانة الهجمات الإيرانية ضدها وضد دول الخليج، ووصف بيان لوزارة الخارجية السعودية هذه الاعتداءات بالآثمة، التي “لا يمكن قبولها أو تبريرها بأي حال”.
وشدّد البيان على أن المملكة تحتفظ بحقها الكامل في اتخاذ جميع الإجراءات التي تكفل حماية أمنها وسيادتها وسلامة المواطنين والمقيمين، وردع العدوان.
وكانت وزارة الدفاع السعودية قالت، في اليوم نفسه، إنها أحبطت هجمات عدة بطائرات مسيّرة استهدفت حقل شيبة النفطي في شرق المملكة، قرب الحدود الإماراتية، وذلك بعد أيام قليلة من استهداف مسيّرات إيرانية مجمع رأس تنورة، الواقع على الساحل الشرقي للمملكة.
كما شهد يوم الاثنين مواصلة استهداف إيران دول جوارها الخليجي، من الإمارات إلى الكويت مرورًا بقطر، إذ أفادت بيانات خليجية بأن عدد الهجمات التي استهدفت دول الخليج تجاوز ثلاثة آلاف هجوم.
تصدير الثورة وإنشاء مجلس التعاون
عاد روح الله الخميني إلى طهران من باريس في مطلع فبراير/ شباط 1979، بعد أربعة عشر عامًا في المنفى، وما هي إلا أيام حتى تمت الإطاحة بالشاه محمد رضا بهلوي في الحادي عشر من الشهر نفسه، بعد ثورة شعبية عليه لعبت فيها الحوزات الدينية دورًا كبيرًا.
سرعان ما اكتشف الخميني أن إيران أضيق من أن تتسع لطموحاته الثورية، وأنها يمكن أن تتحول إلى مركز لتصدير الثورة الإسلامية إلى سائر دول العالم، وتحديدًا دول الجوار الإسلامي.
وفي الذكرى السنوية الأولى لانتصار الثورة، قال الخميني إن بلاده تسعى إلى تصدير الثورة إلى مختلف أرجاء العالم، باعتبارها عابرة للحدود، وتخليص الدول الإسلامية مما سمّاها الديكتاتوريات التي تحكمها.
عودة آية الله الخميني إلى طهران في فبراير 1979 – غيتي
استند الخميني في مقولاته هذه إلى مبدأ ولاية الفقيه، الذي تمتد ولايته على أتباعه عبر الحدود، وفي ترويجها إلى مفهوم “المظلومية” التأسيسي لدى المسلمين الشيعة، وعلى أن تصدير الثورة محتوم لنصرة “المستضعفين” ورفع الظلم عنهم، وهو ما تضمنه أول دستور لإيران بعد الإطاحة بالشاه عام 1979، في المادتين 152 و154.
تنص المادة 152 من الدستور الإيراني على:
أما المادة 154 فتنصّ على:
قمة مجلس التعاون الخليجي في الدوحة عام 1983- غيتي
أكبر أزمات مجلس التعاون الخليجي
ساهم انتصار الثورة الإسلامية في إيران وتبنّي الخميني فكرة تصدير الثورة، في حسم القادة الخليجيين قرارهم بإنشاء مجلس التعاون في 25 مايو/ أيار عام 1981، بهدف تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولًا إلى وحدتها.
غير أن الوحدة الخليجية تعثرت، والأسوأ من ذلك أنها تعرضت لخطر كبير عام 2017. ففي يونيو/ حزيران، استيقظ العالم على أكبر أزمة عصفت بمجلس التعاون الخليجي، بإعلان السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطع علاقاتها مع قطر بتهمة العلاقة مع إيران ودعم منظمات إسلامية متشددة، وهو ما نفته الدوحة تمامًا.
واجه مجلس التعاون أسوأ أزماته بحصار قطر عام 2017 – غيتي
وكانت إيران سببًا في حصار قطر، التي ترى أن إدارة الخلاف مع طهران تتم بالحوار، رغم تحفظاتها على أنشطة الأخيرة في المنطقة.
وبعد نحو خمس سنوات من إنهاء الحصار والمصالحة الخليجية عام 2021، تابعت المنطقة أزمة أخرى بين السعودية والإمارات، على خلفية تمدد قوى المجلس الانتقالي الجنوبي اليمني في حضرموت.
لكن الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران نحّت هذا الخلاف جانبًا، وجاء اتصال ولي العهد السعودي بالرئيس الإماراتي ليؤشر إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي قادرة على تجاوز خلافاتها البينية عندما تتعرض لخطر مشترك.
تهديدات متجدّدة للأمن الخليجي
ووضعت الهجمات الإيرانية دول الخليج في مواجهة تهديدات من نوع مختلف، تتعلق بمفهوم الأمن الوطني لكل منها ولكامل منظومتها.
فرغم تأكيد هذه الدول أن الغارات الأميركية لا تنطلق من أراضيها، تصر طهران على تجاوز سيادة هذه الدول، وتبرّر قصفها بالقول إنها تستهدف القواعد الأميركية فيها، باعتبار هذه القواعد “أراضي أميركية”، كما قال علي لاريجاني، الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني.
وفي هذه الحال، فإن الجوار الإيراني يتحول إلى مصدر تهديد حقيقي، رغم انتفاء أي مبرر من دول الخليج نفسها.
يحدث هذا بينما لا تقوم الولايات المتحدة، في المقابل، بالدفاع عن هذه الدول وهي تتعرض يوميًا للقصف، ما يعني أن إبداء حسن النية لا يُنجي، في حالة العلاقات مع إيران، وأن التحالف والسماح بوجود القواعد لا يحمي، في حالة العلاقات مع الولايات المتحدة، وأن الطرفين يدفعان هذه الدول إلى حربهما.
فماذا على هذه الدول أن تفعل؟
-
فمن جهة، هناك إيران، وهي جار وصفه رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني في مقابلته مع سكاي نيوز بأنه “قدرنا”.
-
وهناك إسرائيل، وهي عدو للعمق العربي لدول الخليج.
-
وما بينهما، هناك دول عربية محدودة الموارد، يرى بعضها، سرًا أو علنًا، أن من حقه تلقي المساعدات دائمًا من نادي الأثرياء الخليجي، وإلا فإنه يغامر بالعداء معها..
عجز قوات درع الجزيرة
في الحالات السابقة كلها أو بعضها، تحولت المنظومة الخليجية إلى موضوع للابتزاز الأمني، خاصة أن شعوب دول الخليج، باستثناء السعودية، قليلة العدد، ما يؤهلها لبناء جيوش قوية العتاد، بإمكانات عسكرية حديثة، لكنها قليلة العدد في الوقت نفسه، ما يفرض عليها نوعًا من الوحدة أو “شراء الخدمات” الأمنية.
لذلك، وسواه، قررت دول الخليج في نوفمبر/ تشرين الثاني 1982 إنشاء قوات درع الجزيرة، في خضم الحرب العراقية الإيرانية، بهدف حماية أمنها الجماعي واستقرارها وردع أي عدوان عسكري.
قوات أميركية في السعودية بعد غزو العراق للكويت عام 1990 – غيتي
لكن هذه القوات، التي كان تعدادها خمسة آلاف جندي، واجهت أكبر تحدٍّ خارجي عام 1990، عندما اجتاحت القوات العراقية الكويت، ما دفع هذه الدول إلى الخيار المر، وهو الانخراط في تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت، وتوقيع اتفاقيات ثنائية مع واشنطن للدفاع عن أمنها الوطني.
ورغم إخفاق قوات درع الجزيرة، أو عدم قدرتها على القيام بالمهمة التي أُنشئت بموجبها، فإنها نجحت عام 2011 في مساعدة السلطات البحرينية على مواجهة الاحتجاجات الشعبية هناك، بانتشار نحو ألفي جندي من هذه القوات في البحرين.
وخلال الحرب الأخيرة تجد دول الخليج نفسها في المأزق نفسه.
فرغم أنها ليست حربها، إلا أنها في وسطها رغمًا عنها، ما اضطر كل دولة منها، منفردة، إلى الاكتفاء بالدفاع عن أمنها، وهي تقوم بذلك بفاعلية ملحوظة في حماية أجوائها وأراضيها، لكن من دون أن تصل إجراءاتها إلى حد العمل الجماعي أو أن تكون تحت مظلة عسكرية واحدة.
ولا يُعرف بعد ما إذا كانت هذه الدول ستعيد النظر في قوات درع الجزيرة، أو ستعمل على تطوير منظومات دفاعية جديدة تتمتع بالقوة اللازمة والفاعلية المطلوبة للدفاع عنها وحمايتها، بعد أن تضع الحرب الأخيرة أوزارها، أم لا. خاصة أن هذه الحرب أثبتت، على نحو ما، عدم جدوى التعويل على الولايات المتحدة التي لم تبادر إلى الدفاع عنها، كما أثبتت مجددًا أن التحديات أكبر من قدرة قوات درع الجزيرة على التعامل معها.
