![]()
من العمل في خدمة مشروع الزعيم النازي أدولف هتلر في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، إلى التعاون مع إحدى الشركات العسكرية الإسرائيلية، تبدو رحلة “فولكسفاغن” الألمانية أقرب ما تكون إلى الشخصية الألمانية بعد الحرب الثانية:
“شخصية يتآكلها شعور بالذنب، ويدفعها إلى دعم إسرائيل عسكريًا والتعامي تمامًا عمّا تفعله في منطقة الشرق الأوسط، حتى لو كرّرت على نحو أكثر توحشًا، ما اقترفه هتلر من جرائم ضد الإنسانية خلال الحرب العالمية الثانية”.
ففي 24 مارس/ آذار الماضي، ذكرت صحيفة “فايننشال تايمز“، نقلًا عن مصادر مطلعة، أن “فولكسفاغن” تجري محادثات مع شركة “رافائيل” الإسرائيلية بشأن صفقة محتملة من شأنها تحويل إنتاج مصنع الشركة في مدينة أوسنابروك الألمانية من السيارات إلى أنظمة دفاع صاروخي.
فولكسفاغن “في خدمة” إسرائيل
بحسب التقرير، تشمل الخطة تصنيع مكوّنات مختلفة لمنظومة “القبة الحديدية“، التي تنتجها شركة “رافائيل” الحكومية، بما في ذلك الشاحنات الثقيلة التي تنقل صواريخ المنظومة، ومنصات الإطلاق، ومولدات الطاقة، فيما لن تُصنَّع الصواريخ نفسها داخل المصنع الألماني.
ويُعدّ التعاون المحتمل بين “فولكسفاغن” و”رافائيل” مثالًا بارزًا على سعي صناعة السيارات الألمانية إلى إقامة شراكات مع قطاع الدفاع، في محاولة لتجاوز تراجع المبيعات والضغوط المتزايدة التي تواجهها الشركات الأوروبية، في ظلّ ما يشبه غزو السيارات الكهربائية الصينية رخيصة الثمن للأسواق العالمية.
وقد سبق لـ”فولكسفاغن” أن شاركت في إنتاج شاحنات عسكرية من خلال مشروع مشترك بين شركتها التابعة “مان” وشركة “راينميتال” الألمانية للصناعات الدفاعية.
ومنذ إعلانها وقف إنتاج سيارة “تي-روك” في مصنع أوسنابروك بحلول عام 2027، تبحث الشركة عن بدائل تبقي المصنع عاملًا وتحافظ على وظائف نحو 2300 موظف، لا سيما بعد تعثر مفاوضات بيعه إلى “راينميتال” في نهاية العام الماضي.
وقالت “فولكسفاغن” إنها تواصل استكشاف حلول تتعلق بمصنعها، مؤكدة أنها تستبعد، في الوقت الراهن، تحويله إلى مصنع أسلحة.
التواصل مع شركات دفاعية
بعد أيام من تقرير “فايننشال تايمز“، أكد الرئيس التنفيذي للشركة أوليفر بلومه أن “فولكسفاغن” تجري بالفعل محادثات في هذا الاتجاه، موضحًا أنها تتواصل مع عدة شركات دفاعية، وأن هذا التحول قد يشكّل “حلًا طويل الأمد” لموقع المصنع.
وأوضح بلومه أن الشركة، التي تواجه تراجعًا في الطلب ومنافسة متزايدة من الشركات الصينية، تبحث عن إعادة توظيف مصنع أوسنابروك، الذي كانت تخطط سابقًا لتقليص إنتاجه في إطار إجراءات خفض التكاليف.
لكنه شدد على أن “فولكسفاغن” لن تصبح مصنعًا مباشرًا للأسلحة، بل ستركز أنشطتها الدفاعية المحتملة على مجالات النقل العسكري واللوجستيات، باعتبارها من نقاط قوتها الأساسية.
وتأتي هذه التوجهات في وقت تراجعت فيه صادرات قطاع السيارات الألماني إلى الصين بنحو الثلث العام الماضي، وسط منافسة محلية شرسة يواجهها المصنعون الألمان.
وإلى جانب المشاكل في السوق الصينية التي تعدّ سوقًا رئيسية، تُعاني شركات تصنيع السيارات الألمانية، مثل فولكسفاغن وبي إم دبليو ومرسيدس، من ضعف الطلب في أوروبا وصعوبة التحوّل إلى السيارات الكهربائية.
فولكسفاغن تطوّر مركبات عسكرية
في مطلع مارس/ آذار، كشفت “فولكسفاغن” عن توجهها لاستكشاف إمكان إنتاج مركبات عسكرية داخل مصنعها في أوسنابروك، وعرضت نموذجين أوليين خلال مشاركتها في معرض “إنفورس تاك” للأمن والدفاع في مدينة نورمبرغ.
ويعتمد النموذج الأول، المسمى “MV.1“، على منصة شاحنة “أماروك“، ويشمل تعديلات تقنية مثل وضع “التخفي” ونظامًا لقطع الدائرة الكهربائية بالكامل، بما يجعله مناسبًا للعمليات القتالية والشرطية.
أما النموذج الثاني “MV.2“، فهو نسخة عسكرية مطوّرة من حافلة “كرافتر“، صُممت لنقل الجنود والمعدات الطبية، بما يعكس سعي الشركة إلى تقديم حلول لوجستية متكاملة للجيوش.
وعلى الرغم من عرض هذه المركبات في المعرض تحت شعار “D.E.S. Defence” بدلًا من شعار “فولكسفاغن” التقليدي، أكدت الشركة أنها طُوّرت بالكامل داخل مرافقها.
من “سيارة الشعب” إلى الصناعات العسكرية
تُعدّ “فولكسفاغن” من أكبر شركات صناعة السيارات في العالم، ويعود الجزء الأكبر من ملكيتها إلى شركة “بورشه أوتوموبيل القابضة“، المملوكة لعائلة بورشه النمساوية- الألمانية.
وتضمّ المجموعة عددًا كبيرًا من العلامات التجارية، بينها “فولكسفاغن” و”أودي” و”بنتلي” و”لامبورغيني” و”بورشه” و”سيات” و”سكودا“، إضافة إلى شركات تنتج مركبات ثقيلة وحافلات ودراجات نارية.
وقد تجاوزت مبيعات الشركة عام 2016 مبيعات “تويوتا“، لتصبح أكبر شركة لصناعة السيارات في العالم من حيث المبيعات، وحافظت على هذا التفوق خلال الأعوام 2017 و2018 و2019. كما احتفظت بأكبر حصة سوقية في أوروبا لأكثر من عقدين.
تضم مجموعة فولكسفاغن عددًا من العلامات التجارية البارزة، بينها أودي وبنتلي ولامبورغيني – غيتي
هتلر وبورشه يتعاونان لإنتاج “سيارة الشعب”
يرتبط إنتاج أول سيارة “فولكسفاغن“، المعروفة باسم “الخنفساء“، باسم الزعيم النازي أدولف هتلر ومهندس السيارات النمساوي- الألماني فرديناند بورشه.
وقد ساهم بورشه، الذي كان عضوًا في الحزب النازي، في المجهود الحربي الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، وشارك في تطوير دبابات ومركبات عسكرية متقدمة، من بينها “النمر 1″ و”النمر 2” و”إيليفانت” و”بانزر 8 ماوس“.
وكان هتلر قد دعا، بعد أسابيع من وصوله إلى منصب المستشار عام 1933، إلى إنتاج سيارة مناسبة لعامة الشعب، تكون عملية ورخيصة ومناسبة للطرق السريعة، على ألا يزيد سعرها عن نحو ألف مارك، أي ما يعادل قرابة 140 دولارًا آنذاك.
وجاء ذلك في سياق سعي النظام النازي إلى تعزيز شعبيته، وربط مشروع “سيارة الشعب” ببناء شبكة الطرق السريعة الألمانية، التي اكتسبت بدورها أبعادًا اقتصادية وسياسية وعسكرية.
عندما قصف الحلفاء فولكسفاغن
تغيّر اسم السيارة قبل بدء إنتاجها الواسع ليصبح “فولكسفاغن“، أي “سيارة الشعب“. وخلال الحرب العالمية الثانية، تحوّل مصنع الشركة إلى الإنتاج العسكري، ما جعله هدفًا لقصف قوات الحلفاء، التي دمّرته بصورة شبه كاملة في نهاية الحرب.
وبعد الحرب، تسلمت الحكومة البريطانية إدارة الشركة مؤقتًا، قبل أن تُنقل إلى الحكومة الألمانية عام 1949. ثم أصبحت تابعة لولاية ساكسونيا السفلى، التي أعادت إطلاقها تدريجيًا، إلى أن تحولت لاحقًا إلى مجموعة متعددة الجنسيات تستحوذ على عدد كبير من العلامات الفاخرة، وعلى حصة واسعة من سوق السيارات العالمية.
