البرهان والإسلاميون: تحالف الظل وإعادة تدوير المشهد

البرهان والإسلاميون: تحالف الظل وإعادة تدوير المشهد

Loading

في السودان اليوم، لا تُقرأ السياسة من سطحها، بل من ظلالها. فالمشهد الذي يبدو متحركًا ومليئًا بالتحولات، يخفي في عمقه شبكة معقدة من الترتيبات التي لا تُعلن، لكنها تُدار بدقة. وبين ما يُقال وما يحدث فعليًا، تتسع مساحة التأويل، وتبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها: هل نحن أمام تغيير حقيقي، أم أمام إعادة تدوير للمشهد بوجوه مختلفة؟
في قلب هذه المعادلة، يقف عبد الفتاح البرهان، ليس فقط بوصفه قائدًا عسكريًا، بل كفاعل سياسي يتحرك داخل توازنات شديدة الحساسية. فالرجل الذي يدير الدولة في لحظة حرب وضغط داخلي وخارجي، لا يملك رفاهية الخيارات المفتوحة، لكنه في الوقت نفسه يختار مسارات تعكس طبيعة التحالفات التي تُبنى في الظل.
وهنا تحديدًا تتجه الأنظار إلى العلاقة المعقدة مع الحركة الإسلامية، والتي لم تغادر المشهد كما ظن البعض، بل أعادت ترتيب نفسها داخله. فبعد سنوات من التراجع العلني، تبدو الحركة الإسلامية وكأنها استعادت جزءًا من حضورها، ليس عبر الواجهة التقليدية، بل من خلال مساحات أقل وضوحًا وأكثر مرونة.
ما يحدث، في تقدير كثير من المراقبين، لا يعكس تحولًا في سياسات الحركة بقدر ما يعكس تحولًا في أدواتها. الوجوه تغيرت، نعم، لكن المشروع ظل كما هو، يتكيّف مع الظروف دون أن يتخلى عن جوهره. إنها عملية إعادة إنتاج هادئة، يتم فيها الدفع بقيادات من الصفوف الخلفية، بينما تنسحب الوجوه المرتبطة بالماضي إلى الظل، دون أن تفقد تأثيرها.
هذه المعادلة تضعنا أمام مفهوم “تحالف الظل”، حيث لا تُعلن الشراكات بشكل مباشر، لكنها تتجلى في مسارات القرار وتقاطعات المصالح. فالتقارب لا يُقرأ من البيانات الرسمية، بل من طبيعة الاصطفاف على الأرض، ومن الطريقة التي تُدار بها الدولة في لحظة الأزمة.
وفي هذا السياق، يظل السؤال الجوهري قائمًا: هل يسعى البرهان إلى بناء مسار جديد للدولة، أم أنه يجد نفسه مضطرًا لإعادة توظيف شبكات قائمة لضمان الاستمرار؟ وبين هذين الاحتمالين، تتشكل ملامح مرحلة قد لا تكون جديدة بقدر ما هي إعادة ترتيب لما هو قائم.
المفارقة أن التغيير، في ظاهره، يبدو حاضرًا بقوة، بينما في عمقه يظل محل شك. فالمواطن، الذي أنهكته الحرب وتداعياتها، لا تعنيه كثيرًا الأسماء بقدر ما تعنيه النتائج. وهو، في نهاية المطاف، لا يبحث عن وجوه جديدة، بل عن سياسات مختلفة تُعيد للدولة توازنها، وللحياة معناها.
السودان اليوم يقف عند مفترق طرق، ليس فقط بين الحرب والسلام، بل بين الاستمرار في دوائر إعادة التدوير، أو كسرها نحو أفق جديد. فالتاريخ لا يرحم اللحظات التي تُهدر، ولا يمنح الفرص ذاتها مرتين. وما بين الظل والضوء، يتحدد مصير بلد بأكمله.

دالاس/تكساس
الجمعة الجامعة ٣ أبريل ٢٠٢٦