إيران في ولاية ترمب الأولى.. ماذا تكشف مذكرات بومبيو “المخلص للرئيس”؟

إيران في ولاية ترمب الأولى.. ماذا تكشف مذكرات بومبيو

Loading

في التاسع والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول 2019، عُقد في منتجع مارالاغو، مقر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فلوريدا، اجتماع استثنائي جمعه بوزيري الدفاع والخارجية ورئيس هيئة الأركان المشتركة.

في ذلك الاجتماع، اتُّخذ قرار غير عادي: تصفية من وُصف بأنه “رأس الحربة الإيرانية”. وبعد أيام، وتحديدًا في 3 يناير/ كانون الثاني 2020، اهتز ليل بغداد بانفجارات قرب المطار، وقُتل قاسم سليماني.

وكان مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي ورئيس الاستخبارات المركزية السابق، أحد أبرز مهندسي تلك الضربة التي هزت طهران وفتحت فصلًا جديدًا من المواجهة الأميركية الإيرانية.


إيران في العهد الأول لترمب


مثّل بومبيو واحدًا من أبرز الوجوه التي نقلت السياسة الأميركية تجاه إيران من منطق الاحتواء إلى سياسة “الضغوط القصوى“، ضمن رؤية أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وتمهيد الطريق لما عُرف لاحقًا بـ”صفقة القرن“.

فترمب، الآتي من خارج النخبة السياسية التقليدية، قلب كثيرًا من قواعد العمل في واشنطن، محولًا السياسة إلى صفقات تُفرض بالقوة. ولتنفيذ رؤيته، اعتمد على رجال يشبهونه في المزاج والاتجاه، وكان أبرزهم مايك ريتشارد بومبيو، العسكري السابق والسياسي الجمهوري المحافظ المتشدد تجاه إيران.

قاد بومبيو وكالة الاستخبارات المركزية لعام ونصف عام، ثم تولى وزارة الخارجية وبقي في منصبه حتى نهاية ولاية ترمب الأولى.

وفي مذكراته التي حملت عنوان “لا تتراجع أبدًا.. القتال من أجل أميركا التي أحب”، كتب:

“كانت مهمتي على مدار 4 سنوات أن أستمع إلى الرئيس ترمب وإلى ما طلبه منا الشعب الأميركي، ثم أترجم تلك المطالب إلى خطط استخباراتية ودبلوماسية محكمة.

كان تنفيذ مهمتي أكثر سهولة لأن بوصلتي الاستراتيجية كانت تشير دومًا إلى مجموعة من المبادئ التي لم تكن موضع شك أبدًا: أن نضع أميركا أولًا، وأن ندافع عن قيمنا، وألا نعتذر أبدًا عن بلدنا”.


مقتطف من مذكرات مايك بومبيو

ويقول المبعوث الأميركي السابق إلى سوريا جيمس جيفري إن الخلفية السياسية لمايك بومبيو، بوصفه عضوًا محافظًا في الحزب الجمهوري ونائبًا سابقًا في الكونغرس، إلى جانب كونه جنديًا سابقًا ومتشددًا تجاه إيران، جعلته شخصية مناسبة لترمب. ويضيف أن بومبيو كان يكنّ للرئيس الاحترام، ولم يطرح عليه “أمورًا سخيفة”، ما أكسبه ثقته ومنحه هامشًا نسبيًا من الاستقلال في العمل.

من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي سعيد عريقات أن هذه الخلفية نفسها هي ما جعلت بومبيو جزءًا من الدائرة الأقرب لترمب، في وقت كان الرئيس الجديد يفتقر إلى الخبرة السياسية في ولايته الأولى، ويعتمد على مجموعة ضيقة من مساعديه، من بينهم وزير الدفاع وبومبيو.

حملت مذكرات مايك بومبيو عنوان “لا تتراجع أبدًا.. القتال من أجل أميركا التي أحب”

وقد كشف بومبيو في مذكراته كواليس فترة ترمب الأولى وصراعات الشرق الأوسط، لا بصفته دبلوماسيًا أميركيًا فقط، بل أيضًا رئيسًا سابقًا لوكالة الاستخبارات المركزية.

وقال إن استراتيجيته في الشرق الأوسط قامت على تقويض النفوذ الإيراني وبناء شراكة أمنية خليجية إسرائيلية جديدة، ضمن رؤية أوسع لإعادة رسم خريطة المنطقة ودمج إسرائيل بوصفها قوة إقليمية.

وفي هذا السياق، كتب:

“النظام الإيراني هو جماعة إرهابية بحكم الواقع. لكن، على عكس معظم الجماعات الإرهابية، يمتلك النظام، بحماية من الحرس الثوري، جميع أدوات الدولة:

حدودًا معترفًا بها دوليًا، ودبلوماسيين في الأمم المتحدة، وعملة رسمية، وسيطرة كاملة على حقول النفط والبنوك وقطاعات أخرى من الاقتصاد الإيراني.

مقتطف من مذكرات مايك بومبيو

 وأضاف أن ترمب سأله يومًا:

“مايك.. لماذا عندما تخبرني عن مشاكل في الشرق الأوسط يكون الأمر دائمًا عن إيران؟”

 “لأنّها إيران”. 

“حلّ المشكلة يا مايك. لا جنود، لكن دعونا نحلها”. 

 

إيران في مذكرات مايك بومبيو وزير الخارجية السابق في ولاية ترمب الأولى (الحلقة الكاملة هنا)

انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي


في 18 مايو/ أيار 2018، أعلن ترمب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الإيراني، وأعاد فرض العقوبات الأميركية على طهران، واعدًا بأعلى مستوى من الضغوط الاقتصادية.

وتشير ليزا كورتيس، مديرة شؤون جنوب ووسط آسيا السابقة في مجلس الأمن القومي الأميركي، إلى أن بومبيو تعامل مع عدد من التحديات المرتبطة بالأمن القومي الأميركي بفاعلية، وتقر بأنه كان متشددًا تجاه إيران وقاد جهود الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض عقوبات جديدة عليها.

ورغم أن المفاوض الرئيسي في الملف الإيراني كان براين هوك، فإن بومبيو كان يُنظر إليه بوصفه المهندس الرئيسي لتلك السياسة.

ويذهب عريقات إلى أن بومبيو، بعد انتقاله إلى وزارة الخارجية، كان من أبرز الدافعين إلى الخروج من الاتفاق النووي، وكانت له اليد الكبرى في انسحاب واشنطن منه.

وفي مذكراته، رد بومبيو على الانتقادات المتعلقة بجدوى العقوبات، مؤكدًا أنها حرمت النظام الإيراني من أكثر من 70 مليار دولار عبر استهداف أكثر من 1500 كيان، خصوصًا في قطاع النفط.

 

كان بومبيو من أبرز الدافعين إلى الخروج من الاتفاق النووي (الحلقة الكاملة هنا)

كما اتهم بومبيو إدارة باراك أوباما بالتقصير والخوف في التعامل مع إيران، وشبّهها بإدارة نيفيل تشامبرلين التي أورثت ونستون تشرشل حربًا عالمية بسبب سياسة الاحتواء.

أما هو، فاختار العصا وحدها، ضاغطًا على النظام الإيراني بكل الوسائل حتى يخضع.

وقال وزير الخارجية الأميركي السابق إن هذا الضغط أدى إلى احتجاجات واسعة على الأوضاع الاقتصادية في عدد من المحافظات الإيرانية، لكنه لم يسقط النظام.

ويؤكد جيمس جيفري أن بومبيو كان يعتقد، شأنه شأن ترمب، أن إدارة أوباما كانت متساهلة للغاية، وأن الاتفاق النووي لعام 2015 كان متساهلًا بدرجة كبيرة مع طهران.

ويشرح أن الاتفاق كان محدودًا زمنيًا، إذ تنتهي بعض قيوده بين عامي 2025 و2030، كما أنه لم يشمل برنامج الصواريخ ولا أبحاث التسليح، ولم يتطرق إلى أنشطة إيران في المنطقة.

ولهذا السبب، ولا سيما من أجل فرض عقوبات ساحقة على إيران ومواجهتها في أنحاء المنطقة، كان بومبيو من أبرز مؤيدي الانسحاب من الاتفاق، وهو ما قامت به الولايات المتحدة بالفعل عام 2018.


 

سمة الفوضى في عهد ترمب

منذ الأيام الأولى لعهد ترمب الأول، اجتاحت التغييرات البيت الأبيض. فخلال عام واحد فقط، تبدّل نصف كبار الموظفين، في سابقة نادرة في تاريخ الرئاسة الأميركية.

أقال ترمب وزراء ومستشارين كما لو كان يدير برنامجًا تلفزيونيًا؛ أطاح بريكس تيلرسون وجاء بمايك بومبيو، فيما تعاقب على وزارة الدفاع أربعة وزراء، أبرزهم جيمس ماتيس الذي استقال احتجاجًا على سياساته.

لكن مجلس الأمن القومي كان عنوان الفوضى الأوضح. فاستقال مايكل فلين بعد أسابيع على خلفية فضيحة كذبه على نائب الرئيس، ثم جاء الجنرال هربرت ماكماستر، وبعده المتشدد جون بولتون.

وعن هذه المرحلة، يقول بولتون نفسه إن ترمب “لم يكن يفهم الأدوار المختلفة لمستشاريه أو كيفية تعاونهم معه ضمن منظومة القرار”، مضيفًا أن ولايته الأولى كانت “فوضوية بالفعل”. ويضيف:

“أعتقد أن ولايته الثانية ستكون كذلك أيضًا، لأنه لا يولي الاهتمام الكافي لتعقيدات القضايا التي يجب أن يتعامل معها”.

“قد يتخذ قرارًا في يوم، ثم يغيره في اليوم التالي ويتصرف بشكل مختلف تمامًا”.

وبحسب بولتون، كان ذلك الأسلوب سمة دائمة في طريقة تعاطي ترمب مع كثير من قضايا الشرق الأوسط خلال ولايته الأولى، وما زال مستمرًا حتى الآن.


اغتيال قاسم سليماني


أفرد بومبيو مساحة واسعة في مذكراته للحديث عن قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، وكواليس الغارة التي أنهت حياته.

وكشف أنه وجّه يومًا رسالة مباشرة إلى سليماني هدده فيها بمحاسبة صارمة إذا استهدفت المصالح الأميركية في أي مكان من العالم، مؤكدًا أن إدارة ترمب لن تتهاون إذا سقط أميركيون على يد وكلاء إيران.

لكن سليماني، بحسب بومبيو، لم يرد برسالة مكتوبة، بل جاء رده “على الأرض“، حيث أسقطت إيران طائرتين أميركيتين مسيّرتين، وأطلقت هجومًا صاروخيًا أصاب قلب الحليف الأوثق لواشنطن.

وبعد ثلاثة أشهر تقريبًا، في 29 ديسمبر/ كانون الأول 2019، جلس بومبيو مع ترمب في مارالاغو، وإلى جانبه وزير الدفاع مارك إسبر ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي.

بدأ بومبيو بعرض ملخص عن قاسم سليماني، وقال إنه بنى شبكة نفوذ عابرة للمنطقة وزرع الرعب في قلوب قادتها، واستشهد بلقاء رئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر العبادي عام 2017، حين حذره من العقوبات إذا واصل استيراد الكهرباء من إيران.

بحسب بومبيو، رد العبادي قائلًا:

“بعد أن تغادر سيأتي قاسم سليماني. ربما تستطيع أخذ أموالي، لكنه سيأخذ حياتي”.

عندها، وصل بومبيو إلى توصية حاسمة:

“حان وقت ضغط الزناد وتصفية سليماني”.

 

فيديو – حلقة سابقة من “كنت هناك” تتناول كواليس اغتيال قاسم سليماني

وكتب في مذكراته:

“جرى تحديد الثالث من يناير/ كانون الثاني 2020 موعدًا للعملية. وصل سليماني إلى المطار، واستقبله أبو مهدي المهندس استقبالًا حافلًا.

لم يكن يعلم أن طائرة أميركية مسيّرة كانت تتعقب كل تحركاتهم من الجو. غادرت سيارة سليماني المطار، وانهالت عليها الصواريخ بعنف. لقد ضرب الردع الأميركي، ولم يؤذ سليماني أحدًا مرة أخرى”.


مقتطف من مذكرات مايك بومبيو

ويعلّق جون بولتون بأن سليماني، من خلال أدواره السابقة في فيلق القدس، لعب دورًا كبيرًا في تدريب الميليشيات الشيعية، خصوصًا في العراق، وهي الميليشيات التي كانت مسؤولة عن مقتل عدد كبير من الجنود الأميركيين، سواء قبل أو بعد الإطاحة بصدام حسين.

ويضيف أن قيادة سليماني لفيلق القدس وتورطه في قتل أميركيين منذ تفجيرات بيروت جعلت منه هدفًا لكثيرين داخل الإدارة الأميركية.

ويرى بولتون أن ترمب وجد في استهداف سليماني ضربة قوية يمكنه توجيهها من دون الانخراط في تدخل عسكري طويل الأمد، وهو ما كان يسعى إلى تجنبه.

أما عريقات، فيشير إلى أن سليماني كان مدير علاقات إيران مع “المحور”، وأن اغتياله أضعف، إلى حد ما، قدرة طهران على التواصل معه إلى أن جرى تعيين بديل عنه.


“تنكّر” ترمب لبومبيو المخلص


في المقابل، يتناول بومبيو في مذكراته ملف أفغانستان، الذي شغل إدارة ترمب، ولا سيما الانسحاب بهدوء من بلد اعتبره الرئيس الأميركي مستنقعًا.

ورغم أن ترمب أعلن خلال ولايته الأولى أنه لن يسمح لطالبان بالسيطرة على أفغانستان، فإنه لم يجد في نهاية المطاف سوى خيار الانسحاب، وهو القرار الذي تولى تنفيذه لاحقًا الرئيس جو بايدن.

وقد هاجم بومبيو الحكومة التي نصبتها واشنطن في كابل، واتهم أشرف غني بعرقلة المفاوضات وسرقة الانتخابات، واصفًا إياه بالمحتال وأسوأ زعيم قابله.

أما عبد الله عبد الله، فوصفه برئيس مافيا ينهب أموال المساعدات.

وفي مذكراته، لم يُخف بومبيو نظرته الفوقية تجاه المجتمعات المسلمة والدول الإسلامية، إذ كتب أن مشهد قادة طالبان في اتفاق الدوحة بزيهم التقليدي كان من أسوأ لحظاته.

وفي ذروة سياسة “الضغط الأقصى” على طهران، كان قطار “صفقة القرن” ينطلق من تل أبيب إلى عواصم عربية.

وقد تولى بومبيو ملف إيران، فيما أمسك جاريد كوشنر بملف “السلام“. ورغم خلافاتهما، عملا تحت رؤية واحدة: دعم إسرائيل بلا حدود.

ويشير بولتون إلى أن ترمب لم يكن يمتلك، في الواقع، سياسة شاملة وفعالة تجاه الشرق الأوسط، وكان يعتقد أن دعمه لإسرائيل سيعود عليه بمكاسب سياسية داخل الولايات المتحدة، ولا سيما من جانب المسيحيين الإنجيليين الذين كانوا من أبرز مؤيديه.

لكن السؤال الأوسع يبقى:

كيف قدّم بومبيو نفسه في مذكراته بوصفه “المخلص” لترمب، وما الذي كسبه من هذا الإخلاص؟

بعد أربع سنوات مضطربة من ولاية ترمب الأولى، خسر الرئيس الأميركي الانتخابات. لكنه رفض الاعتراف بالنتيجة، فتخلى عنه حتى نائبه مايك بنس.

أما بومبيو، الذي لعب دورًا محوريًا في الملف الإيراني، فقد بدا في تلك اللحظة أيضًا الأكثر إخلاصًا، حتى لو كلّفه ذلك مستقبله السياسي، حين ألمح إلى عدم الاعتراف بفوز جو بايدن.

وبعد أربع سنوات أخرى، عاد ترمب إلى البيت الأبيض، لكن بومبيو، المخلص حتى النهاية، لم يعد معه.

وقد ذكرت شبكة “سي إن إن” أن ترمب صار يشكك في ولائه وفي إمكان الوثوق به.