![]()
تُوصَف الولايات المتحدة بأنها بلد الحريات؛ حرية الدين والاعتقاد، وحرية التجمع السلمي، وحرية التعبير، وغيرها من الحقوق الأساسية، وعلى رأسها حرية الصحافة التي تُعدّ أحد أعمدة الديمقراطية وصمام أمان في مواجهة السلطة.
هناك، يُفترض أن يكون السؤال حقًا، والمساءلة واجبًا، وأن يكون الصحفي شريكًا في كشف الحقيقة لا خصمًا يُقمع. لكن يبدو أن هذا التصور يواجه تحديات متزايدة.
“لماذا أنت وقحة؟”
ففي قاعة الإيجازات في وزارة الحرب الأميركية، أمس، لم يكن المشهد مجرد عرض لموقف عسكري، بل اتخذ منحى مختلفًا. وخلال المداخلات الصحفية، وبينما كان وزير الحرب بيت هيغسيث يتحدث عن وقف إطلاق النار المؤقت مع إيران، واصفًا إياه بـ”الانتصار الكبير”، قاطعته مراسلة من “إن بي يسي نيوز” NBC News بسؤال مباشر يعكس الشكوك المتداولة: “لكنهم ما زالوا يطلقون صواريخ باليستية”.
غير أن ردّ الوزير جاء حادًا، إذ قال: “لماذا أنتِ وقحة إلى هذه الدرجة؟ انتظري لحظة… أنا من يختار من سيتحدث”.
ولم تكن الصحفية التي قاطعها بيت، مبتدئة فهي كورتني كيوب فقد عملت مراسلة لدى البنتاغون في الشرق الأوسط وشهدت حروب العراق وسوريا وليبيا لأكثر من عشر سنوات، أي أنها بنت المؤسسة الصحفية والعسكرية، ويبدو أن وزير الحرب هيغسيث يعرفها جيدًا.
وعلى الرغم من كل هذا، لحظة واحدة كانت كافية لتكشف ما تحت السطح، فالرد لم يكن مجرد انفعال عابر، بل بدا امتدادًا لنهج أوسع في التعامل مع الصحافة، حيث ينظر إلى الأسئلة التي لا تناسب مزاجهم السياسي أحيانًا على أنها استفزاز، لا جزء من الدور المهني.
مشهد يتكرر
ورأى كثيرون أن الحادثة، في جوهرها، لم تكن فقط عن مقاطعة صحفية أو رد غاضب بل عن مشهد أكبر يتكرر. مشهد تختبر فيه حدود حرية الصحافة داخل واحدة من أكثر الدول التي طالما قدمت نفسها حارسة لها، ولكن هل هذه الحالة استثناء؟ في الحقيقة لا.
فمع عودة ترمب إلى الحكم، يبدو أن هذه المفاهيم لم تعد ثابتة كما كان تروى. بين التصريحات الحادة والتعامل المتوتر مع الإعلام، والهجوم الدائم على الصحفيين والتهديد بالاعتقال، تصاعدت ملامح الصدام. على رأس هذه المواقف، هاجم ترمب علنًا الصحفية كاترين لوسي من بلومبرغ، قائلًا لها: اخرسي ووصفها “بالخنزيرة”.
هنا، يطرح السؤال مجددًا: هل ما تزال حرية الصحافة كما هي؟ أم أنها تعاد صياغتها على وقع السياسة في زمن ترمب؟
وقد لقي هذا الملف تفاعلًا على مواقع التواصل الاجتماعي. فكتب ويليام: “هيغسيث مثل طفل صغير غاضب.. حيث يتصرف بالوقاحة لأنهم يسألون أسئلة مشروعة”.
وقال ماهر أبو شقرا: “يتبع نفس أسلوب رئيسه بإهانة الصحفيين والتنمر عليهم”.
وكتب وينفريد قائلًا: “الحرب لا تسير على ما يرام، وهيغسيث يخسرها. ربما يخشى أن يلقي ترمب باللوم عليه، وهو أمر وارد جدًا”.
من جهته، كتب جعفر أمهز “هكذا يتعاملون مع العالم”، في حين قال ياسين: “يتكلمون عن الديمقراطية والإنسانية وهم لا يملكون ذرة منها، ما نسمعه كل يوم من فضائحهم وأساليبهم المهينة للإنسان وألفاظهم البذيئة”.