مدرسة السرايا… هل نريد ثقافة تُنير العقول أم فعاليات تُطفئها؟

مدرسة السرايا… هل نريد ثقافة تُنير العقول أم فعاليات تُطفئها؟

Loading

ما حدث في مدرسة السرايا بدنقلا ليس  إجراءً إداريًّا عابرًا، بل هو اختبار حقيقي لأولوياتنا: ماذا نضع أولًا، الإنسان أم الفعالية؟ التعليم أم الواجهة الثقافية؟ فحين تُخلى الفصول الدراسية، ويُلقى الأثاث في العراء، وتُدفع الطالبات لأداء امتحاناتهن في خيام، فإنَّ المسألة تتجاوز حدود “التنظيم المؤقت” إلى خلل عميق في ترتيب القيم.

لا أحد يُنكر أهمية الثقافة، ولا يعارض أن تكون دنقلا عاصمة لها، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أي ثقافة هذه التي تبدأ بإزاحة التعليم؟ وأي رسالة نبعث بها حين نُقيم فعالية ثقافية على حساب مؤسسة تعليمية عريقة؟ إنَّ الثقافة، في جوهرها، ليست مهرجانات ولا لافتات، بل وعيٌ يتشكَّل في المدارس قبل المسارح، وفي الفصول قبل المعارض.

مدرسة السرايا ليست مبنى يمكن استبداله أو توظيفه وفق الحاجة؛ إنَّها ذاكرة مدينة، ورمزٌ لتاريخ طويل من نضال تعليم البنات في شمال السودان. هذه المؤسسة التي صمدت في وجه البيع عام 2009، واستعادها المجتمع بجهوده، لم تكن  عقارًا فحسب، بل قضية كرامة ووعي. ولذلك، فإنَّ المساس بها اليوم يعيد طرح السؤال ذاته: هل نتعلم من تجاربنا أم نكرر أخطاءنا؟

الأكثر إيلامًا ليس القرار ذاته، بل نتائجه المباشرة: طالبات يُمتحنَّ في ظروف غير إنسانية، وبيئة تعليمية تُنتهك، ورسالة سلبية تُغرس في أذهان جيل كامل مفادها أنَّ التعليم يمكن أن يُؤجل أو يُزاح متى ما ظهرت أولويات “أخرى”. وهذا أخطر ما في الأمر؛ لأنَّه لا يمس الحاضر فقط، بل يهدد المستقبل.

البيان الذي أصدرته خريجات المدرسة عبَّر بوضوح عن هذا القلق، وهو ليس  موقفًا عاطفيًّا، بل هو صوت عقلاني يدعو إلى حماية المؤسسات التعليمية من القرارات الآنية التي تفتقر إلى رؤية استراتيجية. فالتنمية الحقيقية لا تقوم على التضحية بالثوابت، بل على تعزيزها، والتعليم هو أول هذه الثوابت.

إنَّ ما يجري في السرايا يطرح معضلة أعمق من مجرد نزاع على مبنى: كيف نُدير مواردنا ومشاريعنا دون أن نصطدم بأساسيات المجتمع؟ وكيف نوازن بين الطموح الثقافي والواجب التعليمي؟ الإجابة ليست معقدة: لا ثقافة بلا تعليم، ولا مستقبل يُبنى على حساب المدرسة.

في نهاية المطاف، تبقى السرايا أكثر من فصول وجدران؛ إنها فكرة. فكرة أنَّ التعليم حق لا يُساوم عليه، وأنَّ المجتمع الذي دافع عنها بالأمس قادر على الدفاع عنها اليوم. ويبقى السؤال مفتوحًا أمام صُنّاع القرار: هل نريد ثقافة تُنير العقول، أم فعاليات تُطفئها؟