![]()
عاد قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى واجهة الأحداث الدولية، بعد تداول مقطع فيديو قصير أظهر حضوره في قلب التحركات الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة.
ويعكس هذا الظهور دورًا متناميًا لباكستان كوسيط إقليمي في واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في الشرق الأوسط.
ففي وقت تتجه فيه الأنظار عادة نحو القيادات السياسية، برز اسم قائد الجيش كلاعب محوري يعمل خلف الكواليس، ويقود قنوات اتصال حساسة بين طهران وواشنطن، وفقًا لصحيفة “واشنطن بوست”.
عاصم منير في طهران
أثار مقطع فيديو نشره وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، اهتمامًا واسعًا، حيث أظهر المشير عاصم منير خلال وصوله إلى إيران واستقباله بحفاوة. وجاءت هذه الزيارة في إطار جهود باكستان لخفض التوترات وترتيب جولة جديدة من المحادثات بين الطرفين.
ونشر عراقجي على حسابه في موقع “إكس”، مرفقًا مقطع فيديو يظهر فيه قائد الجيش الباكستاني: “يسعدني الترحيب بالفريق منير في إيران”.
ونقلت “واشنطن بوست” عن مسؤولين باكستانيين، قولهم: إن “منير كُلّف بإدارة قنوات اتصال سرية مع القيادات السياسية والعسكرية في كل من إيران والولايات المتحدة، في محاولة لاحتواء التصعيد المتسارع”.
ورغم غياب التفاصيل العلنية حول هذه الاتصالات، فإن المؤشرات الأولية تُظهر نجاحًا نسبيًا، إذ ساهمت هذه الجهود في عقد لقاء مباشر نادر بين وفدين أميركي وإيراني في إسلام آباد، وهي خطوة مهمة في مسار التهدئة.
Delighted to welcome Field Marshal Munir to Iran.
Expressed gratitude for Pakistan’s gracious hosting of dialogue, emphasizing that it reflects our deep and great bilateral relationship. Our commitment to promoting peace and stability in the region remains strong—and shared. pic.twitter.com/e74lm6hL8r
— Seyed Abbas Araghchi (@araghchi) April 15, 2026
ولم تُسفر المحادثات عن اتفاق رسمي، لكن قناة الاتصال ظلت مفتوحة، ويُعتقد أن منير قد لعب دورًا داعمًا حيويًا، وفقًا للمسؤولين الذين تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم لعدم تخويلهم بالتصريح لوسائل الإعلام.
وبعد أيام قليلة من انتهاء الجولة الأولى من المحادثات، واصلت باكستان مساعيها للتواصل مع الأطراف، واتفق الجانبان على دراسة إمكانية عقد جولة ثانية. وفي محاولة لإقناع إيران، توجه منير إلى طهران يوم الأربعاء.
لاعب رئيسي خلف الكواليس
رغم أن رئيس الوزراء شهباز شريف ووزير الخارجية إسحاق دار يتصدران المشهد الإعلامي، يرى تشارلز ليونز-جونز، الباحث في معهد “لوي”، أن عاصم منير هو صاحب التأثير الحقيقي في هذه الوساطة.
ويؤكد باحثون في الشؤون الدولية أن قائد الجيش يتمتع بنفوذ واسع داخل باكستان، يتجاوز المؤسسة العسكرية ليشمل التأثير في القرار السياسي والاقتصادي، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في أي تحرك دبلوماسي كبير.
ويُعدّ عاصم منير أحد أقوى القادة العسكريين في تاريخ باكستان الحديث، حيث يتولى قيادة الجيش في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
وقد تدرّج في مناصب حساسة، أبرزها رئاسته لكل من الاستخبارات العسكرية وجهاز الاستخبارات الباكستاني (ISI)، ما أكسبه خبرة عميقة في إدارة الملفات الأمنية والاستخباراتية.
كما يُنظر إليه على أنه الشخصية الأقوى منذ عهد الرئيس الأسبق برويز مشرف، نظرًا لسيطرته الواسعة على مفاصل القرار العسكري وتأثيره في السياسات العامة.
ويلعب منير دورًا مهمًا في تعزيز علاقات بلاده مع القوى الإقليمية والدولية، مستفيدًا من شبكة علاقات واسعة تشمل الولايات المتحدة ودول الخليج وإيران.
وقد لفت انتباه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي أشاد به علنًا، ووصفه أنه “مشيري المفضل”، مؤكدًا على المكانة الرفيعة التي يوليها له.
ويرى محللون أن هذه العلاقات تجعل من باكستان وسيطًا فريدًا، قادرًا على التواصل مع أطراف متعارضة في آن واحد.
خبرة عسكرية في إدارة الأزمات
لعب منير دورًا بارزًا في النزاع الذي استمر أربعة أيام بين الهند وباكستان العام الماضي، والذي كاد أن يؤدي إلى مواجهة نووية، قبل أن يعلن ترمب أنه ساعد في تسهيل وقف إطلاق النار.
ووفقًا لمقربيه، لعب منير دورًا محوريًا في صياغة ردود باكستان على الأزمات الإقليمية. عندما شنت إيران غارات داخل إقليم بلوشستان جنوب غرب باكستان في وقت سابق من هذا العام، مستهدفة ما وصفته بمواقع المتمردين.
وأفاد مسؤولون بأن منير أيد ردًا مدروسًا تضمن ضربات باكستانية انتقامية ضد مخابئ المسلحين عبر الحدود. وبالمثل، في أعقاب الضربات الهندية داخل باكستان العام الماضي، بعد هجوم على سياح في كشمير الخاضعة للإدارة الهندية، عمل منير مع القيادة العسكرية العليا على رد باكستان، وفقًا لسيد محمد علي، صديق منير.
“رجل المهام الصعبة”
يُعرف من يعرف منير بأنه شخصية تُحبّذ المهام الصعبة. كما يحظى باحترام كبير لمعرفته الواسعة بالقرآن الكريم، ويُلقّب بـ”الحافظ”.
وقال علي: “إنه يفهم الإسلام، ويفهم القرآن، ويؤمن بما يُعلّمه. مفاهيمه واضحة جدًا: فهو يفعل ما يخشى الآخرون فعله”.
ووصف علي منير بأنه صاحب قرار حكيم ومتأنٍ. “يُفكّر مليًا قبل اتخاذ أي قرار، وإذا ما اتخذه، يُنفّذه بكلّ إخلاصٍ وتفانٍ، تاركًا النتيجة لله”.
وأشار المقربون منه إلى أن زيارة منير إلى طهران تعكس أيضًا ثقة القيادة الإيرانية به، مُلاحظين أن كبار المسؤولين الإيرانيين، الذين يعملون في ظلّ مخاوف أمنية مُشدّدة عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية، استقبلوه رغم خطر كشف مواقعهم.
وُلد منير عام 1968 لعائلة من الطبقة المتوسطة، ونشأ في روالبندي، وانضم إلى الجيش عام 1986 في كشمير الخاضعة للإدارة الباكستانية، وهي منطقة متنازع عليها بين باكستان والهند.
وخدم في مناطق متفرقة من البلاد، وقضى فترة في المملكة العربية السعودية برتبة عقيد بموجب اتفاقية طويلة الأمد تُساعد بموجبها القوات الباكستانية في تدريب القوات السعودية.
وتعلّم اللغة العربية، واكتسب خبرة في الثقافة والسياسة الإقليمية، وفقًا لزملائه.
