حين يولد الطفل أسيرًا.. قصص أمهات أنجبن داخل سجون الاحتلال

حين يولد الطفل أسيرًا.. قصص أمهات أنجبن داخل سجون الاحتلال

Loading

في كل عام، يتجدد الحديث عن معاناة الأسرى الفلسطينيين مع حلول “يوم الأسير” في 17 أبريل/ نيسان، وهي مناسبة وطنية أقرّها المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974، لتسليط الضوء على واقع الأسر داخل السجون الإسرائيلية.

لكن خلف الأرقام والإحصاءات، تختبئ قصص أشد قسوة؛ لعل أبرزها حكايات أطفال بدأوا حياتهم خلف القضبان، وفتحوا أعينهم على عالم من القيود بدلًا من الحرية.

حتى مطلع أبريل/ نيسان 2026، تجاوز عدد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية 9600 أسير، بينهم 86 سيدة ونحو 350 طفلًا


تكشف قصص الأسيرات اللواتي أنجبن داخل سجون الاحتلال كيف يمتد الأسر إلى الأمومة والطفولة، في واحد من أكثر وجوه المعاناة الفلسطينية قسوة – غيتي

من الاعتقال إلى الولادة.. رحلة معاناة لا تنتهي


في واحدة من أقسى صور المعاناة الإنسانية، وُلد عدد من الأطفال الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، لتبدأ حياتهم منذ اللحظة الأولى بين الجدران المغلقة والقيود.

وتعكس هذه الحالات واقعًا مركبًا تعيشه الأسيرات الفلسطينيات، ولا سيما الحوامل منهن، في ظل ظروف اعتقال قاسية تفتقر إلى الحد الأدنى من الرعاية الصحية والإنسانية.

  • تبدأ معاناة الأسيرة الفلسطينية منذ لحظة اعتقالها، خصوصًا إذا كانت حاملًا، إذ تتعرض لظروف تحقيق قاسية تشمل التقييد بالسلاسل، وتعصيب العينين، والحرمان من النوم والطعام، من دون أي مراعاة لوضعها الصحي.
  • لا تتوقف المعاناة عند هذا الحد، بل تمتد إلى ظروف الاحتجاز داخل السجون، حيث تفتقر الزنازين إلى أبسط مقومات الحياة؛ فلا تهوية مناسبة، ولا رعاية صحية كافية، ولا غذاء ملائم للأم أو الجنين.
  • عند لحظة الولادة، تتضاعف القسوة؛ إذ تُنقل الأسيرة إلى المستشفى وهي مقيدة اليدين والقدمين، وتبقى كذلك حتى أثناء المخاض، ولا يُسمح لها غالبًا بوجود زوجها أو أحد من أفراد عائلتها إلى جانبها.
  • لا تنتهي المعاناة بولادة الطفل، بل تبدأ مرحلة جديدة من القهر، إذ يُعاد الطفل مع والدته إلى السجن ليعيش معها داخل الزنزانة، محرومًا من أبسط حقوق الطفولة، من رعاية صحية وغذاء مناسب وأجواء آمنة.

أكثر من ذلك، يُعامَل هؤلاء الأطفال كأنهم جزء من العقوبة، حيث تصادر أحيانًا احتياجاتهم الأساسية، وحتى ألعابهم التي تصل عبر جهات إنسانية. وتبلغ القسوة ذروتها عندما يُفصل الطفل عن والدته قسرًا عند بلوغه سن العامين، ليبدأ فصلًا جديدًا من الألم لكليهما.


أمهات أنجبن خلف القضبان


في ما يأتي نماذج من أسيرات فلسطينيات أنجبن داخل السجون الإسرائيلية، في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الإنسانية. وتكشف شهادات هؤلاء الأمهات جانبًا بالغ القسوة من تجربة الاعتقال والولادة خلف القضبان.


زكية شموط.. أول أسيرة فلسطينية أنجبت داخل السجون

تمثل الأسيرة الفلسطينية زكية شموط واحدة من أكثر القصص الإنسانية قسوة في تاريخ الاعتقال داخل السجون الإسرائيلية، إذ تحولت معاناتها الشخصية إلى رمز لمعاناة الأسيرات الفلسطينيات، ولا سيما الأمهات منهن. 

ولا تتعلق القصة هنا بالاعتقال وحده، وإنما تمتد إلى الألم والولادة تحت القيد والفصل القسري بين الأم وطفلتها، وفقًا لـ”مركز المعلومات الوطني الفلسطيني”.

وُلدت زكية شموط في مدينة حيفا عام 1945. واعتقلتها قوات الاحتلال الإسرائيلي عام 1971 وهي حامل في شهرها الخامس، ليبدأ فصل قاسٍ من حياتها داخل السجن.

وصدر بحقها حكم قاسٍ بالسجن 12 حكمًا بالمؤبد، من دون أي مراعاة لوضعها الصحي أو حملها.


 داخل السجن، لم تحظَ زكية بأي معاملة خاصة كامرأة حامل، بل تعرضت لأساليب تعذيب قاسية زادت من معاناتها الجسدية والنفسية

وفي 18 فبراير/ شباط 1972، داهمتها آلام المخاض داخل زنزانة انفرادية في سجن “نيفي ترتسيا” الإسرائيلي في الرملة، فأنجبت طفلتها “نادية” بمساعدة الأسيرات الأخريات وسط غياب الرعاية الطبية.

وبقيت الطفلة نادية إلى جانب والدتها داخل السجن عامًا واحدًا فقط، قبل أن تُجبر إدارة السجون على فصلها عنها وإبعادها خارج المعتقل.

وفي عام 1983، أُفرج عن زكية شموط ضمن صفقة تبادل أسرى، لكن حريتها لم تكتمل، إذ أُبعدت إلى الجزائر، حيث عاشت بقية حياتها بعيدًا عن وطنها، قبل أن تتوفى هناك في 16 سبتمبر/ أيلول 2014.


ماجدة السلايمة.. أنجبت “فلسطين” في الأسر

وُلدت ماجدة السلايمة في منطقة باب السلسلة داخل البلدة القديمة في مدينة القدس.

وفي 24 فبراير/ شباط 1978، اعتقلها جيش الاحتلال الإسرائيلي على الجسر أثناء عودتها من الأردن، رغم أنها كانت حاملًا في شهرها السادس.

وداخل السجن، أنجبت ماجدة طفلتها التي أطلقت عليها اسم “فلسطين“، في دلالة رمزية تعكس تعلق الأم بقضيتها رغم القيد والمعاناة.

وفي عام 1985، تحررت ماجدة السلايمة ضمن صفقة تبادل أسرى، بعد سنوات من الاعتقال حملت خلالها تجربة استثنائية جمعت بين الألم والأمومة داخل السجن.


أميمة الأغا.. “حنين” وُلدت بين القيد والحرمان

وُلدت أميمة الأغا في 26 يوليو/ تموز 1956، وعاشت في قطاع غزة قبل أن تعتقلها قوات الاحتلال الإسرائيلي في 9 يونيو/ حزيران 1993 أثناء مرورها عبر معبر بيت حانون “إيرز”.

وجاء اعتقالها وهي حامل، لتبدأ رحلة قاسية داخل السجن امتدت لسنوات.

وفي 4 أكتوبر/ تشرين الأول 1993، أنجبت أميمة الأغا طفلتها “حنين” داخل سجن “تلموند“، في واحدة من أكثر الوقائع قسوة، حيث تمت الولادة وهي مقيدة اليدين والقدمين.


جرت الولادة في ظروف تفتقر إلى الرعاية الطبية الكافية، ما يعكس حجم المعاناة التي واجهتها الأسيرة خلال واحدة من أكثر اللحظات حساسية في حياتها – غيتي

وبقيت الطفلة “حنين” إلى جانب والدتها داخل السجن عامين، قبل أن تُفصل عنها قسرًا في أواخر عام 1995، فيما تولت اللجنة الدولية للصليب الأحمر نقلها إلى عائلة أميمة.

وحكمت المحكمة العسكرية الإسرائيلية على أميمة الأغا بالسجن 6 سنوات و11 شهرًا و29 يومًا، قبل أن يُفرج عنها في 11 فبراير/ شباط 1997.


ميرفت طه.. ولادة مكبلة بالسلاسل

ميرفت طه شابة فلسطينية من البلدة القديمة في القدس، كانت تبلغ من العمر 21 عامًا عند اعتقالها.

وفي 29 مايو/ أيار 2002، اعتقلتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، لتبدأ رحلة اعتقال تزامنت مع واحدة من أهم مراحل حياتها.

وفي 8 فبراير/ شباط 2003، وضعت ميرفت مولودها البكر “وائل” داخل مستشفى “آساف هاروفيه” القريب من سجن الرملة.

ولم تكن لحظة الولادة طبيعية، إذ جرت وهي مقيدة بالسلاسل، في صورة تعكس قسوة الإجراءات المتبعة بحق الأسيرات حتى في أكثر اللحظات حساسية.

وبعد قضاء محكوميتها التي امتدت نحو ثلاث سنوات، أُطلق سراح ميرفت طه برفقة طفلها، لتخرج من السجن وهي تحمل تجربة قاسية لا تُمحى من ذاكرتها.


منال غانم.. أمومة تحت القهر والفقد

وُلدت منال غانم في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 1975، وهي تنحدر من مخيم طولكرم، كما أنها أم لأربعة أطفال.

وفي 17 أبريل/ نيسان 2003، اعتقلتها قوات الاحتلال الإسرائيلي من منزلها، لتبدأ رحلة اعتقال قاسية وهي تتحمل مسؤولية العائلة والأمومة في آن.

وفي 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2003، وضعت منال مولودها “نور” داخل السجن في ظروف صعبة تفتقر إلى الرعاية الكافية.

ولم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، إذ كانت قد أنجبت توأمًا، لكن أحد الطفلين توفي بعد الولادة مباشرة، لتعيش الأم تجربة مركبة من الفرح والحزن.

وفي 11 مايو/ أيار 2006، فصلت سلطات الاحتلال طفلها “نور” عنها، ولم يعد بإمكانها رؤيته إلا خلال زيارات محدودة من خلف زجاج عازل وشبك سميك.

وحُكم على منال غانم بالسجن 50 شهرًا، قضت معظمها في سجن “الشارون”، قبل أن يُفرج عنها في 8 أبريل/ نيسان 2007.


أطفال ولدوا خلف القضبان

  • زكية شموط — نادية
  • ماجدة السلايمة — فلسطين
  • أميمة الأغا — حنين
  • ميرفت طه — وائل
  • منال غانم — نور
  • عائشة الكرد — ياسر
  • سمر صبيح — براء
  • فاطمة الزق — يوسف
  • سميحة حمدان — ثائرة

عائشة الكرد.. حرية ناقصة بعد الولادة

في يوم الجمعة الموافق 17 يونيو/ حزيران 1988، أنجبت عائشة الكرد ابنها “ياسر” عند أذان المغرب داخل مستشفى “صرفند” العسكري الإسرائيلي، حيث جرت الولادة وهي مقيدة.

وبعد يومين فقط من الولادة، أُفرج عن عائشة الكرد في 19 يونيو/ حزيران 1988، لكن حريتها بقيت منقوصة، إذ فُرضت عليها الإقامة الجبرية خمس سنوات.

ولم تنتهِ معاناة عائشة عند حدود الاعتقال، ففي 1 أغسطس/ آب 2014، استشهد ابنها “ياسر” إثر قصف الطائرات الحربية الإسرائيلية منزل العائلة في قطاع غزة.


سمر صبيح.. عملية قيصرية تحت الحراسة

وُلدت سمر صبيح في 8 نوفمبر/ تشرين الثاني 1983 في مخيم جباليا بقطاع غزة.

وفي 29 سبتمبر/ أيلول 2005، اعتقلتها قوات الاحتلال الإسرائيلي من منزلها في طولكرم، رغم أنها كانت حاملًا في شهرها الثالث.

وفي 30 أبريل/ نيسان 2006، وضعت سمر مولودها البكر “براء” عبر عملية قيصرية في مستشفى “مئير” بمدينة “كفار سابا”.

رغم حساسية وضعها الطبي، بقيت مقيدة حتى لحظة دخولها غرفة العمليات، ثم أُعيد تقييدها بالسلاسل فور انتهائها، في مشهد يكشف غياب الحد الأدنى من المعايير الإنسانية.

وبعد قضاء مدة محكوميتها البالغة 27 شهرًا، أُفرج عن سمر صبيح في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2007 برفقة طفلها.


فاطمة الزق.. “يوسف” من زنزانة إلى حرب

وُلدت فاطمة الزق عام 1969 في حي الشجاعية بمدينة غزة، وهي أم لثمانية أبناء.

وفي عام 2007، اعتقلتها قوات الاحتلال الإسرائيلي أثناء خروجها من قطاع غزة لتلقي العلاج، من دون أن تكون على علم بحملها، إذ اكتشفت لاحقًا داخل السجن أنها حامل بطفلها “يوسف”.

وفي 17 يناير/ كانون الثاني 2008، أنجبت فاطمة طفلها “يوسف” داخل مستشفى “مئير” في “كفار سابا”، بعد فترة حمل قاسية داخل المعتقل.


 لم تعش فاطمة لحظة ولادة يوسف كما تعيشها الأمهات عادة، إذ كانت مقيدة وتفتقر إلى الرعاية الصحية اللازمة، في ظل ظروف احتجاز صعبة

وقضت فاطمة نحو عامين داخل السجن برفقة طفلها “يوسف”، الذي نشأ في زنزانة ضيقة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وسط نقص في الغذاء والرعاية الصحية.

ولم يكن يُسمح لها بالحركة إلا وهي مقيدة اليدين، بينما تعرض طفلها لأمراض متكررة وسط غياب الرعاية الطبية الكافية.

وفي 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2009، أُفرج عن فاطمة الزق وطفلها يوسف، بعد سنوات من الاعتقال والمعاناة.

ولم تنتهِ مأساة فاطمة عند الإفراج، إذ استشهد ابنها “يوسف”، الذي عُرف بأنه من أصغر الأسرى المحررين في العالم، إثر قصف بطائرة مسيّرة استهدف شقة عائلته في مدينة غزة فجر 12 يوليو/ تموز 2025.


سميحة حمدان.. طفولة بدأت داخل السجن

تنحدر سميحة حمدان من مدينة بيت لحم، وقد اعتقلتها قوات الاحتلال الإسرائيلي من منزلها في 23 يونيو/ حزيران 1981، بينما كانت حاملًا في شهرها السابع.

وفي 5 أغسطس/ آب 1981، أنجبت سميحة طفلتها التي أسمتها “ثائرة” داخل مستشفى الرملة، في ظروف صعبة تفتقر إلى الرعاية والاهتمام اللازمين.


شكلت هذه الولادة بداية معاناة مزدوجة، حيث لم تعرف الطفلة العالم خارج أسوار السجن في سنواتها الأولى 

وبقيت الطفلة “ثائرة” مع والدتها داخل السجن عامين، عاشت خلالهما طفولتها المبكرة في بيئة قاسية ومغلقة.

وفي عام 1985، أُفرج عن سميحة حمدان، لكن حريتها لم تكن كاملة، إذ تم إبعادها إلى الأردن، لتبدأ حياة جديدة خارج الوطن بعد سنوات من الاعتقال والمعاناة.


حالة كادت تصبح العاشرة


إلى جانب الحالات السابقة، تبرز حالة كادت تضيف اسمًا جديدًا إلى قائمة الأمهات اللواتي أنجبن خلف القضبان.


أنهار الديك.. ولادة تجنبت القضبان في اللحظة الأخيرة

أنهار سامي الديك أم لطفلة، اعتُقلت في 8 مارس/ آذار 2021 بعد مداهمة منزلها من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، وهي في شهرها الثالث من الحمل.

وخلال فترة احتجازها، خضعت لتحقيق قاسٍ في سجن “هشارون”، قبل أن تُنقل لاحقًا إلى سجن “الدامون”، حيث واجهت ظروفًا صعبة تزامنت مع تقدم حملها.


أعادت قضية أنهار سامي الديك تسليط الضوء على خطر ولادة الأسيرات داخل سجون الاحتلال 

وأثارت قضية أنهار مخاوف حقوقية واسعة، بعدما باتت على وشك أن تلد داخل السجن، في تكرار محتمل لمصير الأسيرات اللواتي سبقنها.

لكن في 2 سبتمبر/ أيلول 2021، أفرجت محكمة عسكرية إسرائيلية عنها وهي في شهرها التاسع من الحمل، لتتفادى أن تصبح الحالة العاشرة لأسيرة فلسطينية تضع مولودها خلف القضبان.


إلى جانب اختصارها معاناة أمهات فلسطينيات أنجبن خلف القضبان، تكشف هذه الحكايات وجهًا بالغ القسوة من نظام الاعتقال الإسرائيلي، حيث تبدأ حياة بعض الأطفال من داخل الزنازين بدلًا من أن تبدأ في فضاء آمن وطبيعي. ومع كل “يوم أسير”، تعود هذه القصص لتذكّر بأن ألم الأسر يمتدّ إلى الأمومة والطفولة معًا.