![]()
أُتيحت لي فرصة زيارة دولة سريلانكا في يناير الماضي، ولا أدري لماذا قفز إلى ذاكرتي وأنا أستعد للسفر صورة جزر الهند الشرقية التي كانت تشكِّل سيرلانكا جزءًا منها كما تعلمناه في المدرسة الوسطى، وليتداعى لذهني ما حفظناه من نصوص باللغة الإنجليزية حول رحلة السفينة البريطانية الضخمة، وهي تمضي إلى جزر الهند الشرقية، لتعود محمَّلة بالشاي والمطاط والقطن والتوابل. كان ذلك النشيد التعليمي يختصر العالم في رحلة سفينة تنطلق من بريطانيا، لتعود إليها وهي محمَّلة بخيرات المستعمرات للإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. ومن مطلع القصيدة:
إلى أين تتجه السفينة البريطانية الكبيرة الآن؟ Where is it going the Big British Ship now ?
إلى الهند، والصين، ومالايا،
من أجل الشاي والمطاط والقطن والقصدير،
ولتحمل بضائع الإمبراطورية إلى بريطانيا.
تابعنا عبر السنوات تغيُّر تسميات هذا البلد العجيب، وهي تتبدل من سرنديب إلى سيلان ثم إلى سريلانكا. فالاسم الأول “سرنديب” لم يكن مجرد تسمية، بل كان تعبيرًا عن دهشة صدفة الاكتشاف والحظ السعيد كما رآها الأوربيون والتجار والرحالة العرب وغيرهم؛ ليأتي مسمى البلد مشتقًا من الكلمة الإنجليزية Serendipity التي تعني اكتشاف شيء قيم عن طريق المصادفة، وهو ما يُعرف في الأدب الأوربي “بالمصادفة السعيدة”.

وتفيد المعلومات أنَّ اسم سرنديب تم تعديله إلى “سيلان”، وأنَّ الكلمة مشتقة من نسبة الأرض إلى سكانه الأصليين السنهاليين، وقد عُرف عن سرنديب أنَّها لم تكن مجرد مستعمرة اقتصادية للبريطانيين، وأنَّهم استغلوها كمنفى سياسي لمعاقبة المعارضين لها، لأنَّها جزيرة بعيدة معزولة عن كثير من الدول. ومن هذا الباب دخلت الجزيرة الذاكرة العربية حين نُفي إليها الشاعر المصري محمود سامي البارودي بعد فشل الثورة العرابية. وقد شكَّلت عزلةً قاسية، جادت فيها قريحته الشعرية بتصوير يقف شاهدًا على واحدة من أصدق تجارب المنفى في الأدب العربي، حيث عبَّر عن غربته في منفاه في عدد من أشعاره، ومن أشهر ما قيل في ذلك:
وكفى بمقامي في سرنديب غربةً
نزعت بها عني ثياب العلائق
ومن رام نيل العز فليصطبر على
لقاء المنايا واقتحام المضايق
فإن تكن الأيام رنَّقْن مشربي
وثلمْن حدّي بالخُطوب الطوارق
فما غيّرتني محنة عن خليقتي
ولا حولتني خُدعة عن طرائقي
ولكنني باقٍ على ما يسرني
ويُغضب أعدائي ويُرضي أصادقي
في العام 1948م، نالت سريلانكا استقلالها، وكان من أوائل ما سعت إليها استعادة اسمها وهويتها. فكان التحوُّل إلى “سريلانكا”، الجزيرة المشرقة، إعلانًا رمزيَّاً بانتهاء زمن التسمية المفروضة، وبداية مرحلة جديدة من إدارة شأنها الوطني.
كما يُقال، فإنَّ ما لا نقرؤه في الكتب قد تكشفه لنا الحياة المعاشة. وما أن تحط رحالك في هذا البلد الذي كنت تقرأ أو تسمع عنه عن بُعد كبلدٍ حتى تبدأ الصورة التي حملتها في التبدُّل. إذ تلاحظ أنَّ الحياة هنا لم تعد تشبه حصيلة ما درسناه، وما كنا نسمعه إذ تجاوزها الزمن وأصبحت في ذمة التاريخ بحكم مسيرة الحياة وتطوُّرها.
لقد أعيدت صياغة الحياة في البلاد بعد الاستقلال لتشكّل دولة تسعى إلى تعريف نفسها اقتصاديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا. ولم تختفِ التجارة التي عُرفت بها، لكنَّها تغيَّرت مساراتها لتصبح تحت إدارة الدولة المستقلة، وجزءًا من قرار وطني، ومن تفاعلٍ أكثر توازنًا مع العالم. وعليه تحوَّلت صورة السفينة الضخمة التي عرفناها في صبانا والتي كانت تحمل خيرات البلاد إلى الخارج من رمزٍ للهيمنة إلى ذكرى تعليمية وذكريات صبي لأمثالنا لا أكثر .
نيجومبو مكان الإقامة الأولى
تُعدُّ نيجومبو في سريلانكا من الوجهات السياحية القريبة من كولومبو، لكنَّها تحمل طابعًا مختلفًا؛ أكثر هدوءًا . من أبرز ما يميّز نيجومبو سوق السمك التقليدي، الذي يُعدُّ من أكثر المشاهد حركةً وحيوية، ورغم أنَّه لا يمكن أن يُعدُّ موقعًا سياحيًا مرغوباً لأي سائح زيارته، إلا أن مرشدي السياحة هناك يحرصون على تشجيع السياح لزيارته، باعتباره مساحة عمل حقيقية ونشطة تتصل بصيد وتنظيف وبيع الأسماك وتجفيفها تحت الشمس. وهي تجربة تعكس للزائر احتكاكًا مباشرًا بأحد أهم الأنشطة الحياتية والاقتصادية للسكان. هذا السوق يعج منذ الفجر الباكر بالصيادين، وهم يمارسون مهنتهم، في بيئة تتسم ببساطة العاملين وكذلك المتسوقين، وينتابك شعور بأنَّ نشاط المكان يشبه، في السودان، شاطئ النيل في الموردة وسوق السمك، ومع المفارقة في المقارنة، إلا أنَّ ذلك إحساس يتشكَّل تلقائيًّا، كأن بعض الأمكنة تتجاور في الذاكرة بعد المسافات، واختلاف السحنات والثقافات والأنشطة.
من أبرز المعالم نيجومبو القنوات المائية المعروفة بالقنوات الهولندية (Dutch Canal) وهي تخترق بعض أحياء المدينة، وتُستخدم للحركة عبر القوارب، حيث تمرُّ بين الأحياء المختلفة في المدينة.
وهناك كذلك الشاطئ والواجهة البحرية على المحيط الهندي، وتُعدُّ مواقع مناسبة للتنزه والاسترخاء. ويحرص المرشدون السياحيون على أن تكون الرحلات عبر القوارب في فترة الأصيل، إذ تحمل الأجواء سحرًا خاصًا، حيث تختلط ألوان الشمس بحركة قوارب الصيد، وتعكس ألوانًا جاذبة على سطح بحيرة نيجومبو، وسط الطبيعة الهادئة والطيور وأشجار المانغروف. وهي تجربة مثالية لمن يبحث عن جانب طبيعي بسيط وغير مزدحم.
من أجمل اللحظات التي يمكن أن يقضيها السائح للراحة والمتعة الحقيقية، هي التنزه والجلوس فيما يُعرف باللاجون، وهي بحيرة ضحلة متصلة بالبحر، حيث الجلوس على كراسٍ داخل المياه وأنت تشاهد جلسات السمر واللعب داخل المياه لجموع السياح المنتشرين في مساحة ممتدة لا ترى لها حدودًا.
خلال هذه الجلسة، قدَّم لنا المرشد السياحي قائد القارب فواكه استوائية طازجة بطعم مختلف. تتمتع اللاجونات بمناظرها الخلابة، وهوائها النقي، وأنت تتمتع وأنت جالس أو متحرك بالقارب بمشاهدة حيوانات تتحرك بحرية، ومجموعات القرود التي تراقب وتتابع حركة البشر، وتترقب إطعامها بما يحمله الناس من فواكه وأغذية. ومع الغروب تشاهد رحلة العودة للطيور من السوق إلى الجزر القريبة، في مشهد يومي حيوي وممتع.

من نيجومبو إلى نوارا اليا
تبدأ الرحلة من نيجومبو حيث البحر الهادئ واللاجون الواسع، الى نوارا اليا، ويمرُّ الطريق عبر مساحاتٍ خضراء من مزارع جوز الهند وقرى ريفية تعكس بساطة الحياة، ومع الاقتراب من كولومبو العاصمة تظهر صخب المدينة وحيويتها قبل العودة مرة أخرى لتتبدَّل مشاهد الطريق تدريجيَّاً من السهول الساحلية إلى المرتفعات.
في الطريق إلى كاندي، تبدو مظاهر الطبيعة أكثر جمالاً وخضرة، حيث يتوقف كثير من الزوار عند ما يُعرف بمعبد “السن المقدس”، أحد أبرز الرموز الدينية والتاريخية، ومن ثم المواصلة عبر الطريق الضيق المتعرِّج التي تعانق الجبال والضباب المنسدل على الغابات، والشلالات المتدفقة، مثل: شلالات رامبودا التي تُعدُّ أحد أجمل محطات التوقف. ومع الارتفاع أكثر في الطرق الجبلية يتجاوز النظر علو ارتفاع الغابات الكثيفة، ويتمكَّن المرء من مشاهدة مزارع الشاي الخضراء الواسعة الممتدَّة، والبيوت ذات الطراز البريطاني، والحدائق المتدرجة على سفوح الجبال لتشكِّل لوحةٍ طبيعية ساحرة في مشهدٍ يميِّز منطقة نوارا إليا، المعروفة بـاسم “إنجلترا الصغيرة” التي تنخفض فيها درجات الحرارة لتصبح أكثر برودة،.
على امتداد الطريق إلى نوارا إليا، تتكرر محطات مميَّزة تُعرف بـ”حدائق التوابل والأعشاب” أو الـSpice & Herbal Gardens، وهي تشكِّل تجربة تعريفية حيّة بعالم التوابل السريلانكية التي تشتهر بها الجزيرة منذ القدم، حيث تُزرع نباتات مثل: القرفة، والفلفل، والهيل، وجوزة الطيب، يصاحب فيها مرشد الزوار ليشرح بطريقة مبسطة استخدامات هذه النباتات، سواء لأغراض الطهي أو الاستعمالات في الطب التقليدي والعلاجات الطبيعية. ويقف السواح هنا أيضًا على تجربة “لمساج العشبي” باستخدام زيوت مستخلصة من الأشجار؛ بهدف الاسترخاء وسط أجواء طبيعية، كما تُعرض المنتجات العشبية من زيوت وكريمات وتوابل للبيع؛ مما يجعل المكان محطة تجمع بين المعرفة والتجربة الحسية والتسوُّق. ولا شك أنَّها محطة لكسر روتين وعناء الطريق وإضافة بُعد ثقافي وتجربة جديدة للرحلة.
شكَّلت إقامتنا في فندق The Golden Ridge Hotel في نوارا اليا تجربة فريدة؛ إذ يشكِّل الفندق امتدادًا طبيعيَّاً لرحلة الصعود إلى مرتفعات نوارا إليا، ويشكِّل جزءًا من المشهد العام للمنطقة . يقع الفندق على تلة مرتفعة في منطقة Bambarakelle، التي تبعد قليلاً عن مركز المدينة، في إطلالة بانورامية ساحرة على الجبال ومزارع الشاي مع قربها النسبي من أبرز المعالم، مثل: بحيرة غريغوري وحدائق هاكغالا. الفندق مصُمّم بشكل خاص مزج بين الفخامة المعاصرة واللمسات الكلاسيكية في مرافقها، مع الاتجاه نحو استثمار البيئة المحيطة دون الإخلال بطبيعتها الجبلية. هناك وفي زاويةٍ من الفندق، يقف منزل عتيق والمعروف ب Clovelly Bungalow Golden Villa يحمل سمات عصور مضت تحمل ذاكرة العهد البريطاني.
من التجارب الممتعة في نوارا اليا زيارة مزرعة أمبيويلا التي تُعرف أيضًا ” بالمزرعة النيوزيلاندية”، وتقع في منطقة جذابة محاطة بالجبال والبحيرات، مما يجعلها مكانًا رائعًا للاسترخاء والاستمتاع بالطبيعة، وأنت تشاهد الأبقار ومختلف أنواع الحيوانات ترعى في المزرعة، إضافة إلى توافر أنشطة ترفيهية، من بينها ركوب الخيل والتجوال في الحقول الواسعة، والوقوف على طريقة إنتاج الألبان، وصناعة مشنقاتها.
هناك أيضاً مزرعة لابوكلى للشاي، و هي واحدة من المزارع الشهيرة في المنطقة، وتوفر تجربة فريدة حول الوقوف على طريقة زراعة الشاي، وتصنيعه يسمح خلال زيارتها للسواح ممارسة نشاط قطف أوراق الشاي، والتجول في أقسام المصنع؛ للوقوف على مراحل إنتاج وتصنيع الشاي السيلاني المشهور بأنواعه. وقريباً من هذه المزرعة توجد بحيرة غريقورى بارك Gregory Lake Park أو Gregory Park التي تُعدُّ من الأماكن السياحية الجميلة في نوارا اليا حيث يمكنك الاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة، وركوب الخيل، وركوب القوارب، والاستمتاع بممارسة التجدبف والأنشطة والرياضات المائية المختلفة .

محمية أوداوالاوي
كانت محطتنا التالية في رحلتنا هي محمية أوداوالاوي، الواقعة في الجزء الجنوبي من وسط سريلانكا، إلى الجنوب الشرقي من العاصمة كولمبو، على بُعد نحو 180 كيلومترًا، وتبلغ مساحتها قرابة 300 كيلومتر مربع، وقد أُنشئت هذه المحمية لحماية الحياة البرية والنباتات المحلية، وتضمُّ تنوعًا غنيَّاً من الكائنات، من بينها الأفيال والفهود والتماسيح والغزلان، إلى جانب طيف واسع من الطيور، حتى غدت – لكثرة أعداد الأفيال فيها – تُعرف بـ”مملكة الأفيال”.
وكعادة أبناء جيلنا، لا يمرُّ مشهد مثل هذا يبعث على المتعة والإعجاب في أي بلد دون أن تستدعي الذاكرة المقارنة الموجعة بين ما نراه من مظاهر التقدُّم البلاد الأخرى وبين ما كان عليه حالنا في زمن مضى، ومآل حالنا اليوم في ذات المجال. وهكذا ونحن نتجول في هذه المحمية الخلابة، بما تزخر بها من طبيعة آسرة وتنظيم دقيق، تداعت إلى الذاكرة صورة محمية الدندر في عصرها الذهبي وكانت الحسرة أنني أمام مفارقة صارخة بين ماضٍ زاهر أضعناه، وحاضر مزدهر صنعه غيرنا.
كانت محمية الدندر، في الفترة الممتدَّة من خمسينيات القرن الماضي وحتى أوائل الثمانينيات، واحدة من أوسع المحميات الطبيعية في أفريقيا، إذ بلغت مساحتها نحو 10,291 كيلومترًا مربعًا، أي ما يعادل أكثر من ثلاثة وثلاثين ضعف مساحة أوداوالاوي. وكانت تحتضن نظامًا بيئيَّاً متكاملًا، وتنوُّعًا هائلًا من الحياة البرية، شمل آلاف الأسود والفهود والتيتل والظباء والنعام، فضلًا عن أعداد لا تُحصى من الحيوانات والطيور بأنواعها .
وفي ذروة ازدهارها حظيت الدندر باعتراف منظمة اليونسكو كمحمية محيط حيوي عام 1979م، وكانت تمثِّل ممرًا عالميَّاً لهجرة الطيور بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، كما ظلَّت تستقطب اهتمام السياح والبعثات العلمية، حيث تشير الإحصائيات الى صدور أكثر من 130 دراسة وبحثًا علميَّاً. غير أنَّ المؤلم اليوم هو ما تشير إليه بعض التقديرات من تراجع نطاق الحماية الفعالة إلى نحو ثلاثة آلاف كيلومتر مربع فقط، مع تعرض أجزاء واسعة منها لضغوط الرعي، بما يعكس حجم التدهور الذي أصاب هذا الإرث البيئي الفريد.
محمية أوداوالاوي تعافت بعد الحرب الأهلية السيرلانكية التي امتدت ثلاثين عامًا، لأنَّهم حين وضعت الحرب أوزارها بدؤوا فوراً في بناء ما تهدَّم، ونحن حروبنا ممتدة ولا تزال تتكرر.
نسأل الله أن تضع الحرب أوزارها وأن تعود الدندر لسابق عصرها الذهبي، ونعيد بناء وإعمار بلادنا في مختلف المجالات، ونعيدها لسيرتها الأولى وإلى الأفضل، ليشكِّل في المستقبل أحد الأمثلة الحية عن البلاد التي خرجت من أزمة الحرب والخراب والدمار واستطاعت ان تصنع مستقبلاً زاهراً ومشرقاً يشار إليه بالبنان، وما ذلك على الله ببعيد.