![]()
أعلن حزب الدعوة الإسلامية السبت الماضي ترشيح أمينه العام نوري المالكي لتولي منصب رئيس الوزراء، لامتلاكه “الخبرة والقدرة على قيادة البلاد”، على ما قال الحزب.
ويأتي هذا بعد أيام قليلة من إعلان رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني الذي حصل ائتلافه على أكبر عدد من مقاعد البرلمان عن ترشّحه لولاية حكومية ثانية.
ولا ينص الدستور العراقي على تحديد عدد ولايات لرئيس الوزراء، بينما يحدّد لرئيس الجمهورية ولايتين.
وتصدّر ائتلاف السوداني نتائج انتخابات البرلمان المؤلف من 329 مقعدًا، إلا أن ذلك لا يعني أن طريقه إلى ولاية ثانية مفروشة بالورود، إذ عليه الحصول على تأييد الكتلة الأكبر في البرلمان التي يشكّلها غالبًا تحالف “الإطار التنسيقي” الذي يضم الأحزاب الشيعية.
وقال “الإطار التنسيقي” في السابع عشر من الشهر الجاري إنه شكّل أكبر الكتل البرلمانية بحصوله على 175 مقعدًا، أي أكثر من نصف مقاعد البرلمان.
وأوضح الإطار أنه قرّر “تشكيل لجنتين قياديتين”: تُعنى الأولى “بمناقشة الاستحقاقات الوطنية للمرحلة المقبلة ووضع رؤية موحدة لمتطلبات إدارة الدولة”، وتتولى الثانية “مقابلة المرشحين لمنصب رئيس الوزراء”.
المحاصصة الطائفية في النظام السياسي العراقي
يقوم النظام السياسي في العراق منذ أول انتخابات متعددة عام 2005، بعد عامَين من الغزو الأميركي الذي أطاح نظام صدام حسين، على المحاصصة الطائفية في توزيع المناصب السيادية الكبرى، حيث خُصص منصب رئيس الوزراء للشيعة، ورئاسة الجمهورية للأكراد، ورئاسة مجلس النواب للسُنّة.
وغالبًا ما يكون التوافق على منصبي رئاسة البلاد ومجلس النواب شبه محسوم بعد الانتخابات التشريعية، على خلاف منصب رئيس الوزراء، نظرًا للانقسامات داخل ممثلي المكوّن الشيعي، إضافة إلى التدخلات غير المباشرة لإيران والولايات المتحدة في اختيار المرشح لهذا المنصب.
وأرسى هذا الأمر ما يشبه القاعدة التي تقوم على وزن ونفوذ الكتل الشيعية في مجلس النواب، وليس على العدد الأكبر من أصوات الناخبين لتشكيل الحكومة العراقية.
ويتحكم في هذه المعادلة تحالف “الإطار التنسيقي” الذي تشكّل بعد انتخابات 2021، ويضمّ الأحزاب الشيعية البارزة.
الإطار التنسيقي وصناعة رئيس الوزراء في العراق
تخوض أحزاب “الإطار التنسيقي” الانتخابات بشكل منفصل، ونظرًا لاستحالة حصول أي منها منفردًا على الأغلبية المطلقة داخل البرلمان، يقوم أيّ ائتلاف داخل هذا “الإطار” (وليس الحزب الحائز أعلى أصوات الناخبين بالضرورة) بعملية تأمين هذه الأغلبية بالتفاوض مع حلفائه، وترشيح رئيس الحكومة المقبل.
ويخضع اسم المرشح لمنصب رئيس الوزراء خلال هذه الفترة لعمليات شد وجذب قد تطول بين أحزاب الإطار قبل التوافق عليه.
وتصدّر ائتلاف “الإعمار والتنمية” الذي يتزعمه رئيس حكومة تصريف الأعمال محمّد شياع السوداني نتائج الانتخابات التي جرت في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني، بحصوله على أكبر عدد من المقاعد (46).
وحلّ في المركز الثاني ائتلاف “دولة القانون” بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي (29 مقعدًا)، تلته “حركة الصادقون” التابعة لقيس الخزعلي زعيم فصيل عصائب أهل الحق (27 مقعدًا).
ثم جاءت “منظمة بدر” بزعامة هادي العامري (21 مقعدًا)، وتحالف “قوى الدولة الوطنية” بزعامة رجل الدين عمّار الحكيم (18 مقعدًا)، وأخيرًا “حركة حقوق” المقربة من كتائب حزب الله (6 مقاعد).
ونظرًا لعدم تمتّع ائتلاف السوداني بالأغلبية في البرلمان، فقد انضم إلى تحالف “الإطار التنسيقي”، مرشحًا نفسه من خلاله لولاية ثانية.
يذكر أن “الإطار التنسيقي” هو الذي جاء بالسوداني إلى رئاسة الحكومة في العام 2022، بعد جمود استمرّ أكثر من عام، وخلافات سياسية بين الإطار التنسيقي والتيار الصدري الذي فاز في انتخابات عام 2021 بأكبر عدد من مقاعد البرلمان (73 مقعدًا).
آليات تكليف الرئاسات الثلاث في الدستور العراقي
وقال السوداني خلال منتدى الشرق الأوسط للسلام والأمن في الجامعة الأميركية في دهوك (شمال العراق)، إن ائتلافه “جزء أساسي من مكونات الإطار التنسيقي الذي قرر تشكيل الكتلة النيابية الأكبر”، مضيفًا: “سوف نباشر بحوارات مع باقي الكتل السياسية للتأسيس للاستحقاقات الدستورية وتشكيل الرئاسات”.
فما الذي ينصّ عليه الدستور بالنسبة لهذا الاستحقاق؟
-
يفترض أن ينتخب البرلمان في جلسته الأولى التي يجب أن تنعقد خلال 15 يومًا من إعلان النتائج النهائية، رئيسًا جديدًا له.
-
بعد الجلسة الأولى، يفترض أن ينتخب البرلمان رئيسًا للجمهورية خلال 30 يومًا بغالبية الثلثَين.
-
بعد ذلك يكلف رئيس الجمهورية رئيسًا للحكومة خلال 15 يومًا من تاريخ انتخابه، يكون مرشح “الكتلة النيابية الأكبر عددًا” بحسب الدستور.
-
يُسمي أي تحالف يشكل الكتلة الأكبر في البرلمان، رئيس الحكومة المقبل.
-
بعد تسميته أو التوافق عليه، تكون أمامه مهلة 30 يوما لتأليف الحكومة، وفي حال فشله، يكلف رئيس الجمهورية مرشحا آخر.
يذكر أنّه غالبًا ما يستغرق التوافق على رئيس الوزراء شهورًا عديدة، على خلاف المدة المحددة في الدستور.
ولا تتخذ الكتل السنية والكردية في البرلمان موقفًا مناهضًا لتوجه “الإطار التنسيقي”، ما يجعل من معركة اختيار رئيس الوزراء شيعية خالصة.
وفي البرلمانات السابقة، كانت الأحزاب الشيعية التي تحصل على العدد الأكبر من المقاعد تتوصل إلى تسويات فيما بينها لتشكيل حكومة، وكان ذلك يؤدي غالبًا إلى استبعاد مرشحين أقوياء أو حازوا أعلى الأصوات قبل التوافق على اسم، وهناك سابقتان كبيرتان في هذا السياق هما سابقة إياد علاوي، وسابقة مقتدى الصدر.
1. سابقة إياد علاوي
في انتخابات عام 2010، فاز ائتلاف رئيس الوزراء السابق إياد علاوي بأكبر عدد من المقاعد (91)، تلاه ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي الذي فاز بـ89 مقعدًا، ولم يحصل أي من الطرفين منفردًا على ما يكفي من المقاعد لتشكيل حكومة وحده.
وبعد أشهر من المناوشات والمفاوضات والتسويات القاسية، تم التوصل إلى اتفاق بإعادة تعيين المالكي لولاية ثانية رغم حلوله ثانيًا في الانتخابات، من حيث عدد الأصوات.
2. سابقة مقتدى الصدر
في انتخابات عام 2021، انعقد البرلمان للمرّة الأولى بعد نحو ثلاثة أشهر من انتخابه، وذلك بسبب توترات سياسية جرّاء فوز تيار رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر بأكبر عدد من المقاعد (73 مقعدًا)، وتنديد الأحزاب والمجموعات المدعومة من إيران بالنتائج.
وبعد عام من أزمة سياسية حادّة شهدت أعمال عنف دامية في الشارع وتخللها انسحاب الصدر، انتخب البرلمان في أكتوبر/ تشرين الأول 2022 مرشح التسوية عبد اللطيف رشيد رئيسًا للجمهورية، الذي كلّف بدوره محمّد شياع السوداني مرشّح تحالف “الإطار التنسيقي” تشكيل حكومة جديدة.
المالكي إلى الواجهة مجدّدًا
يبدو أن هذا السيناريو سيتكرر من جديد اليوم، حيث تبدو حظوظ رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني قليلة في تشكيل الحكومة الجديدة رغم حصوله على أعلى الأصوات، ويُرجح أن يكون المنصب من نصيب رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي أو أي شخص يؤيده.
والمالكي هو الوحيد منذ عام 2005 الذي وصل إلى رئاسة الوزراء مرتين بين عامي 2006 و2014، ورغم غيابه عن السلطة لنحو عقد من الزمن إلا أنه حافظ على حضوره الكبير في الساحة السياسية.
وبحكم صفته رئيسًا لائتلاف دولة القانون الذي يتمتع بنفوذ كبير، يُنظر إلى المالكي على أنه سيكون صاحب تأثير يكفي لتحديد من سيصبح رئيس وزراء العراق القادم إن لم يشغل المنصب بنفسه.
وكان المالكي، قد تعرض لضغوط دولية وإقليمية ومحلية للتنحي في عام 2014 بعد المكاسب التي حققها تنظيم الدولة في العراق حينها.
وبحكم علاقته الوثيقة بإيران أكثر من غيره من الساسة العراقيين، فقد ترك المالكي إرثًا سياسيًا وأمنيًا معقدًا، ما زال تأثيره حاضرًا.
وقد عزّز نفوذه في ولايته الأولى بعمليات أمنية أبرزها “صولة الفرسان” ضد جيش المهدي التابع للتيار الصدري، أما ولايته الثانية فتميزت بتصاعد الاحتقان مع القوى السنية، وتنفيذ عمليات اعتقال بتهم “كيدية” طاولت الآلاف.
كما أقصى قيادات سنية بارزة عن الساحة السياسية بينهم نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، ووزير المالية رافع العيساوي.
وتوترت علاقته مع إقليم كردستان، كما شهد عهده تفشي الفساد وضعف مؤسسات الدولة وصولاً إلى الانهيار الأمني الكبير وسقوط الموصل بيد تنظيم “الدولة”، الذي اجتاح عددًا من محافظات البلاد.
نوري المالكي.. صانع الملوك يتشبث بالسلطة
فشلت كل محاولات المالكي للبقاء رئيسًا للوزراء لولاية ثالثة بتكليف الرئيس العراقي فؤاد معصوم في أغسطس/ آب 2014 حيدر العبادي المنتمي الى حزب الدعوة على غرار المالكي، بتشكيل حكومة جديدة.
وقاوم المالكي بعنف إخراجه من المشهد السياسي، وقدّم شكوى الى المحكمة الدستورية ضد الرئيس معصوم بتهمة خرق الدستور، معتبرًا تعيين العبادي اختلاسًا لحقه في ولاية ثالثة.
وبعد أربعة أيام على اعتراضه على تكليف العبادي، أعلن المالكي تخلّيه عن ترشحه لولاية ثالثة، وقال في خطاب متلفز وقد وقف الى جانبه العبادي:
“أعلن اليوم لتسهيل سير العملية السياسية وتشكيل الحكومة الجديدة، سحب ترشيحي لصالح الأخ الدكتور حيدر العبادي وكل ما يترتب على ذلك حفاظًا على المصالح العليا للبلاد.
اتهمت بالتشبث بالسلطة مع أنه كان دفاعًا عن الوطن وحرمة الدستور والاستحقاقات الانتخابية، والدفاع عن الحق لا يعني بأي حال من الأحوال تمسكًا بالسلطة، ولم ألجأ إلا للمحكمة الاتحادية، وتعهدت بقبول قرارها”.
من هو نوري المالكي؟
ولد نوري المالكي قرب كربلاء وانضم إلى حزب الدعوة بينما كان يتابع دراسته الجامعية، وفر من العراق عام 1980 إثر حظر حزب الدعوة إلى إيران، حيث تولى النشرة التي يصدرها الدعوة، واتخذ اسم جواد مع توليه مسؤولية عمليات تسلل من ايران إلى العراق.
ومن إيران انتقل المالكي إلى سوريا قبل أن يعود الى العراق مع الاجتياح الاميركي، حيث شغل عضوية لجنة اجتثاث البعث.
وعام 2006، تم الاتفاق على تعيينه رئيسًا للوزراء بعد الاعتراض على سلفه إبراهيم الجعفري الذي اعتبره العرب السنة والاكراد طائفيًا.
ووقع المالكي في ولايته الأولى على الأمر بإعدام الرئيس الراحل صدام حسين.
وحقق المالكي هدفه الذي ظل يطمح له طوال حياته وهو انتزاع السلطة في البلاد من السنة، لكن النهج الذي اتبعه لترسيخ هيمنة الشيعة كان السبب في سقوطه.
واتهمه قادة السنة بعدم القيام بما يكفي من جهود للسيطرة على الميليشيات الشيعية، وبأنه ركّز بدلًا من ذلك على تقوية قبضته على المحافظات السنية المضطربة مثل الأنبار في غرب العراق.
ويقول منتقدو المالكي إن سياساته الطائفية دفعت السنة إلى أحضان تنظيم الدولة.
وترك المالكي منصبه على مضض في عام 2014 بعد انهيار قوات الأمن وهروبها أمام التقدم الخاطف لتنظيم الدولة في مدينة الموصل (شمالي البلاد)، وفي عام 2015، دعت لجنة برلمانية عراقية إلى محاكمته والعشرات من كبار المسؤولين بسبب سقوط المدينة في يد تنظيم الدولة.
حزب الدعوة.. خزّان النخب الشيعية
نجح العبادي في استعادة الأراضي التي استولى عليها تنظيم الدولة في ولاية المالكي الثانية، وحظي للمرة الأولى بتأييد في المناطق السنية، وخصوصًا في محافظة نينوى، لكنّ معارضيه اتهموه بانعدام المصداقية في محاربة الفساد الذي استشرى في عهده.
وكان العبادي الذي قضى حقبة طويلة من حياته في المنفى عضوًا في حزب الدعوة الذي يتزعمه نوري المالكي، ومنه جاء أغلب رؤساء الوزراء العراقيين بعد الغزو، ولم يشذ عن ذلك سوى عادل عبد المهدي الذي شكل الحكومة العراقية بعد العبادي.
ففي أكتوبر/تشرين الأول 2018 شكّل انتخاب برهم صالح رئيسًا للبلاد وعادل عبد المهدي لتشكيل الحكومة، سابقة كان من شأن تكرارها إبعاد تيار المالكي عن الحكم نهائيًا في تاريخ العراق.
فعبد المهدي هو أول رئيس وزراء للبلاد منذ غزو العراق من خارج حزب الدعوة الذي يتهمه كثيرون بأنه زرع كوادره في مؤسسات الدولة منذ عام 2003 وصولًا إلى احتكارها.
ومع فقدانه رئاسة الحكومة عام 2018، لم تعتبر انتكاسة الحزب الذي تأسس في خمسينيات القرن الماضي رمزية فقط، بل على صعيد النفوذ والمكاسب المادية في بلد يحتل مرتبة متقدّمة جدًا على لائحة الدول الأكثر فسادًا في العالم.
لكن حزب الدعوة عاد إلى النفوذ بقوة في انتخابات 2021 التي أوصلت محمد شياع السوداني إلى رئاسة الوزراء بدعم من تيار المالكي آنذاك.
وكانت تلك عودة قوية للمالكي لكن من خلف ستار، ويبدو أنه يرغب في استثمارها بشكل أكبر بعد الانتخابات الأخيرة، للعودة إلى الحكم مباشرة، وعدم الاكتفاء بدور صانع الملوك والتحالفات، ما لم تمنعه من ذلك توافقات دولية أو حسابات إقليمية قد ترى في عودته رئيسًا للوزراء عودة للنفوذ الإيراني في المنطقة من بوابة العراق، وهو النفوذ الذي فقدته طهران في لبنان وسوريا بضرب إسرائيل حزب الله واغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وسقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024.
.jpg)