من شعر الصبا… أين الطريق … حُلْمٌ يُشَابِهُ بَعْضَهُ

من شعر الصبا… أين الطريق … حُلْمٌ يُشَابِهُ بَعْضَهُ

Loading

وَتَشَابَهَتْ كُلُّ الدُّرُوبْ .. 
وَتَفَرَّعَتْ شبحاً سديم ..
شَبَحاً يُحَاكِي بَعْضَهُ  
لَوْحاً مِنَ الضَّوْءِ المُسَرْبَلِ بِالنُّدُوبْ .. 
أُفُقاً تَلَوَّنَ بِالثُّقُوبْ 
بِلَا مَلَامِحَ بَاكِيَاتْ .. 
أَوْ ذِكْرَيَاتٍ بَاسِمَاتٍ فِي شُحُوبْ ..
أَوْ صَائِحَاتٍ فِي حُبُورٍ أَوْ نُفُورْ ..

وَيَصِيحُ يَنْعِقُ مِثْلَ غِرْبَانِ المَنَايَا ..
الخَوْفُ يَحْتَكِرُ الحَنَايَا ،
فَلِمَ الهُرُوبْ ..؟ 
وَالمَوْتُ مِثْلُ لَاهِيَةٍ لَعُوبْ ..! 
تَلْهُو وَتَعْبَثُ فِي سُكُونْ 
وَالحُزْنُ يَعْبُرُ فِي شُحُوبْ .. 
مُتَأَبِّطاً سُقْمَ السِّنِينْ 
كَتَمَاوُجِ الحِنَّاءِ فِي كَفٍّ خَضِيبْ
مِثْلَ الغَوَانِي الدَّاعِيَاتِ إِلَى فُجُورْ   
السائمَات النْفسَ جَبراً ،
بلا رَقِيبٍ او دَليِلْ
والموتُ يَركض حَاصِداً خبطاً يصيب ..
يَبْكِي وَيَصْرُخُ عَالِياً ،
لِمَنِ الرَّحِيلْ ..؟ 
لِلْمُسْتَجِيرِ مُهَاجِراً ،
أَمْ لِلدَّخِيلْ ..؟
وَيَطُلُّ صَوْتٌ فِي الدَّوَاخِلِ آسِياً .. 
هُوَ لِلدَّخِيلْ 
هُوَ لِلدَّخِيلْ ..!

لا تبتئِسْ ، وفمُ الحَياةِ يدسُ في عُمقِ الجذُورْ
آفةَ النسَيانِ بُرءً للصدور
وَيَصِيحُ يَزْعَقُ يَا عُذيرَاءَ الخُدُورْ .. 
هُزِّي الفُرُوعَ إِلَيْكِ وَعْداً حانياً ، فوحاً يضوع
هزي الفروع
يَا مَكْنُونَةَ الفَرَحِ
الطروب 
يَا مَجْدُولَةَ الوَعْدِ الصَّبُورْ .. 
هُزِّي الفُرُوعْ 
وَتَوَسَّدِي الجِذْعَ المُحَمَّلَ بِالطُّيُوبْ ..

وَتَلَفَّتَتْ .. 
وَالصَّوْتُ يَهْمِسُ عَالِياً 
يَرْنُو رُوَيْداً ثُمَّ يَخْفُتُ تَالِياً … 
هُزِّي الفُرُوعْ 
مُسْتَصْحِباً مِحَنَ الدُّهُورِ يَسُوقُهُ أَمَلٌ خَدُوعْ 
وَمَضَى الزَّمَانُ بِلَا نُجُوعْ 
مُسْتَعْمِراً غُرَفَ التَّجَاعِيدِ الطِّوَالِ وَارْتِكَاسَاتِ النُّدُوبْ 
هُزِّي الفُرُوعْ ..

وهل يستَبِين النُّصْحَ من ضلَّ الطريق  ؟
والصْمتُ يَعتقِلُ الكَلامَ ،
في جُبَ خرساء عمِيقْ

كَيْفَ الرُّجُوعْ ..؟ 
كَيْفَ الإِيَابُ إِلَى الرُّبُوعْ 
بَلْ كَيْفَ الرُّجُوعُ مِنَ الرُّجُوعْ ..؟ 
وَمِنَ الشِّتَاءِ إِلَى الرَّبِيعْ 
وَالنَّفْسُ فِي الهَزْعِ الأَخِيرْ .. 
تَهُزُّ بَاقِيَةَ الثِّمَارِ خُوَارُهَا رُطَباً تَذُوبْ 
تَقْتَاتُ مِنْ شَبَقِ الدُّمُوعْ 
كَالنَّائِحَاتِ بِلَا وَجِيع

يَا لَيْتَ لَوْ مَا فَاتَ مِنْ سَقَطِ السِّنِينَ
رَاحَتْ تَرُّمُ نَسِيجَهَا الأَيَّامُ، تَغْفُو تَسْتَكِينُ
أَمَلٌ يُدَغْدِغُ عَجْزَهَا، فَجْرٌ كَذُوبٌ
يَا أَيُّهَا الأَلَمُ الدَّفِينُ،
قُلْ لِي بِصَمْتٍ:
كَيْفَ انْبَثَقْتَ مِنَ العَمَاءِ؟
كَيْفَ ارْتَوَيْتَ مِنَ الدِّمَاءِ
كَمَرَاجِلِ التَّكْوِينِ فِي المَاضِي السَّحِيقِ؟
أَيْنَ الطَّرِيقْ؟
أَيْنَ الرُّمُوزُ البَازِغَاتْ؟
أَيْنَ الجِبَاهُ الشَّامِخَات فِي عِزِّ دَعِيٍّ؟

وَيظَلُ يَبْرُقُ فِي عُيُونِكَ ألفُ سُؤَلٍ:

وَلِمَ السُّؤَالُ؟
أَتَلُومُنِي فِي السُّؤْلِ يَا ابْنَ كائِدَةِ الرِّجَالِ؟
الكَاسِيَاتُ العَارِيَاتُ،
الحَاوِيَاتُ لكُلَّ سُفْلٍ مِنْ فِعَالٍ،
الطَّارِحَاتُ النَّفْسَ وِرْدًا لِكُلِّ مُخْمُورٍ صَفِيق
يَا أَيُّهَا المَنْبُوذُ فِي وَحْلِ الطَّرِيقِ،
يَا أَيُّهَا المُلَفَّوفُ فِي سِمْطٍ خَفِيٍّ،
أَتَلُومُنِي وَتَنْكِرُ ذَا السُّؤَالْ؟
يَا أَيُّهَا المَسْرُوقُ مِنْ زَلَلٍ قَمِيءٍ،
يَا أَيُّهَا المُطْرَوحُ زَيْفًا مِثْلَ أُمْنِيَةِ الغَرِيقْ

وَأَظَلُّ أَلْهَثُ فِي مَتَاهٍ مستريب :
أَيْنَ الطرِيقْ؟
ايْنَ الطريقْ؟
هَلْ مِنْ مُجِيبٍ؟
قَدْ حَارَ فِكْرِي يَا رَفِيقْ،
قَدْ طَارَ عَقْلِي يَا صَدِيقْ
أَيْنَ الأَمَانِي المُوحِشَاتُ؟
أَيْنَ اللَّيَالِي الطَّارِحَاتُ السَّعْدَ فِي عُمْرِي الشَّقِيِّ؟
الصَّابِبَاتُ الكُحْلَ فِي حَدَقِ البَرِيقْ؟

وَيَهف طَيْفُكَ يَرتجِف وَعْدُاً مَطُولْ،
مُسْتَوْهِمًا فَرَحَ اللِّقَاءِ مَتَاهَةً ، أَمَلًا خَجُولْ،
بَرْقًا يَفُحُّ تَأَسِّيًا، بَرْقًا خَجُولْ ..
وَيَهُزُّ أَرْجَاءَ النُّفُوسِ:
صَوْتُ صَاعِقَةٍ مَهُولْ
غَيْمٌ كَذُوبٌ،
صَلْدُ هواه ،
لَا مَاءَ يَهْمِي وَلَا نُزُولْ،
لَا بَرَدٌ يَرْمِي وَلَا هُطُولْ
فلما الحريق؟!

وَأَرَى شُمُوسَ النَّارِ تَشْرُقُ فِي النُّفُوسِ ،
كَتَنَفُّسِ الوَرْدِ العَبُوقِ
قُلْ لِثَأَرَاتِ اللَّظَى ولإرتِعاشاتِ اللهِيب:
كُونِي سَلَامًا حَامِيًا، بَرْدًا شَفُوقْ
وَأَظَلُّ أَلُحِف فِي السُّؤَالْ:
أَيْنَ الطَّرِيقْ؟
بَلْ أَيْنَ أَبْخِرَةُ الحَرِيقْ؟

وَاظل أُجَترِ المحَالَ وَأُعِيدُ عمداً ذَا السُّؤَالْ:
هَلْ صُلِيّت الحُبَّ غَدْرًا أَمْ وَفَاءْ؟
هَلْ عَبِبْتَ الوُدَّ صِدْقًا أَمْ ريَاءْ؟
وَهَلِ امْتَلَكْتَ العِشْقَ سَهْوًا فِي لِقَاءْ؟
يَا أَيُّهَا الحُزْنُ المَكِينُ،
قُلْ لِي برفق :
كَيْفَ ارْتَحَلْتَ مِنَ الضَّجِيجِ إِلَى السُّكُونْ؟
مِنَ الفَنَاءِ إِلَى اللِّقَاءِ ،
وَمِنَ الأَدِيمِ إِلَى السَّمَاءِ؟
وكَيْفَ دُستَ بلا ضجِيجْ ،
علي بِسَاطَ الحُجُبِ في سُكرٍ مُبين ،
وطَوَيْتَ طوعاً ،
مَفَازَةَ النَّفْسِ الدمِيئةٍ  بِالسَّوَادِ،
مخمورة بِالعِشْقِ تَسْتبِقُ المَعَادْ؟

قُلْ لِي بربك يا رفيق :
كَيْفَ ارْتَحَلْتَ بِلَا مُعِينْ؟
وكيف حاورت السنين؟
مُسْتَوْحِشًا مِيلَادَها الآتي ،
وَكَيْفَ جَاوَزْتَ الطَّرِيقْ ..؟
كغَطِيطِ حلمان يَكْذِبُ حُلْمَهُ ، كيلَّا يَفِيقْ ..!!

فَسألتُه يا ايّها الحُلمُ الفَخِيم ..
اينّ الطرِيق ..؟
فاجاب في صَوتٍ وخِيم
مُتَسربِلاً حُلماً هُلامِياً قَدِيم :
نعمْ  .. ايّْن الطريِقْ
اين الطريق..؟

فَأَجَبْتُهُ وَالصَّمْتُ يَغْلِبُنِي حقيق :

أَنْ لَا طَرِيقَ..
فكُلُّ دَرْبٍ مُنْتَهَاهُ إِلَيَّ يعدو يَا رَفِيقِ
فأنا الطريق
انا الطريق..!!