![]()
من قلب الركام والرماد، ومن بين أدخنة النيران الحارقة التي أكلت الأخضر واليابس ودمرت معالم الحياة، تنهض حواء السودان المثقفة الواعية والأبية، بصلابة المرأة التي لا تُقهر، لتصرخ بصوت مدوٍّ يهز الضمائر الحية في كل أرجاء الأرض: (أوقفوا هذه الحرب المدمرة فوراً! أوقفوا نزيف الدم وعبث السلاح!)
لقد طالت هذه المأساة العبثية أكثر مما ينبغي، وقتلت الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، وشتتت العباد في مشارق الأرض ومغاربها، ودمرت في لحظات طيش كل ما بنيناه في عقود طويلة من الكفاح والعرق. سقط الاقتصاد الوطني في حضيض سحيق، وانهارت قيمة جنيهنا العزيز أمام العملات، بينما تحول جواز سفرنا — ابن الوطن المعطاء الزاخر بالخيرات والثروات الظاهرة والباطنة — إلى وثيقة يلاحقها البؤس وتطوقها النظرات الرخيصة في الموانئ والمطارات. ألا يكفي كل هذا الهوان لندرك جميعاً حجم الكارثة؟!
شريعة الغاب وإنحدار الخطاب
لم تكن هذه الحرب الكارثية مجرد بارود ورصاص يُطلق في الجبهات، بل كانت سُماً زعافا ناقعاً أفسد الأخلاق وهتك النسيج الاجتماعي الأصيل:
سياسة الغاب: سادت لغة البطش والقوة الغاشمة، وعوت ذئاب المصالح الخاصة على أنين المظلومين والمشردين.
سقوط المنصات: غصت وسائل التواصل الاجتماعي بظواهر غريبة ومبارزات كلامية رخيصة، وانحدر الحوار إلى شتائم وإساءات مبتذلة لا تشبه قيم التسامح السوداني الأصيل ولا تراثنا الأخلاقي الموروث.
تأجيج الفتن: أصبحنا نستحي بحق من مهاترات وممارسات القونات بعض المنتسبات المنتسبين للصحافة وبثوث “اللايفاتية”، الذين يستغلون عواطف البسطاء، ويصبون الزيت على النار المشتعلة بلا حس وطني ولا ضمير إنساني.
وفي مقابل هذا البؤس الذي يطحن الملايين، يقف تجار الحروب في أبراجهم العاجية؛ هم الذين أوقدوا شرارة النار الملعونة وجعلوا من هذا الشعب الصابر وقوداً لها. يسحبون قوت الفقراء، ويسرقون الذهب الخالص وخيرات البلاد التي لا تُعد ولا تُحصى، ليغتنوا وتنتفخ بطونهم على حساب دماء الضحايا ودموع الثكالى والأيتام.
صمود حواء النزيهة وسط الإعصار
في منتصف هذه المأساة، تحملت المرأة السودانية — حواء النزيهة والأم الصابرة — العبء الأكبر والوجع الأعمق. عانت لأجل حماية أسرتها عناءً يهد الجبال الرواسي؛ طاردت اللقمة الكريمة وجرت خلف الأمان المفقود، وشاهدت كرامة أهلها وأبنائها تُستباح تحت مسمى الصراع السياسي والعسكري، بينما لا يزال شياطين الحرب يراهنون على دماء وحياة الأبرياء دون رادع.
كلمة الفصل: أوقفوا المأساة الآن
إن حواء السودان اليوم لا تطلب عطفاً ولا تستجدى أحداً، بل تفرض موقفاً أخلاقياً ووطنياً واجباً على الجميع:
( إن هذه الحرب أصبحت وسام مذلة لشعب عظيم أثبت عبر التاريخ أنه لا يستحق إلا العزة والكرامة. يجب أن تتوقف هذه المهزلة فوراً، ويجب أن تصمت أبواق الفتنة المأجورة، ليعود السودان شامخاً ومصاناً لأهله الطيبين.)
دعونا نسترد قيمنا النبيلة، ونغسل عن وجه وطننا غبار الهوان والشتات، ونتكاتف لبناء ما دمرته أيدي العابثين وتجار الدم. لا للحرب.. نعم للسلام.. ونعم لكرامة المواطن السوداني!
آسيا المدني
مسقط
عُمان
٣٠ أغسطس ٢٠٢٦