في الطريق إلى المناقل.. البحث عن خارطة صناعية..! 

في الطريق إلى المناقل.. البحث عن خارطة صناعية..! 

Loading

في الطريق إلى المناقل.. البحث عن خارطة صناعية..! 

تقرير / محفوظ عوض
لم تكن جولة والي ولاية الجزيرة الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير بالمنطقة الصناعية بمدينة المناقل مجرد زيارة ميدانية للوقوف على سير العمل داخل عدد من المصانع، بقدر ما حملت رسالة اقتصادية واضحة مفادها أن الصناعة ينبغي أن تتقدم إلى مقدمة أولويات المرحلة، وأن ولاية الجزيرة بما تمتلكه من مقومات زراعية وموقع استراتيجي وبنية إنتاجية يمكن أن تصبح إحدى القواعد التي يستند إليها الاقتصاد السوداني في طريق التعافي.
ومن بين المصانع ومطاحن الدقيق، بدا المشهد في المنطقة الصناعية بالمناقل كأنه يقدم إجابة عملية عن السؤال المتعلق بقدرة القطاع الصناعي على الإسهام في إعادة بناء الاقتصاد. فهناك مصانع للبسكويت، ومطاحن للدقيق، ومصانع للزيوت، إلى جانب مصنع لإنتاج وتجميع بطاريات الطاقة الشمسية والليثيوم، وهي صناعات تتجاوز الصورة التقليدية للصناعة في الولاية، وتفتح الباب أمام التفكير في مجالات إنتاجية جديدة يمكن أن تتوسع مستقبلاً.
ولعل القيمة الأهم في جولة الوالي أنها وضعت الصناعة أمام أعين صانع القرار بعيداً عن التقارير المكتبية والأرقام المجردة. فالمصنع الذي يعمل، والعامل الذي يقف أمام خط الإنتاج، والمنتج الذي يصل إلى السوق، كلها شواهد حية على أن الاستثمار الصناعي يمكن أن يتحول إلى قوة اقتصادية حقيقية متى ما توفرت له البيئة المناسبة.
وتكشف المنطقة الصناعية بالمناقل عن إمكانات تستحق مزيداً من الاهتمام. فوجود مطاحن الدقيق ومصانع البسكويت والزيوت يتيح بناء حلقات إنتاج مترابطة، بينما يمثل مصنع بطاريات الطاقة الشمسية نموذجاً لصناعة حديثة يمكن أن تتوسع لتخدم احتياجات الزراعة والمياه والكهرباء والمنازل والمؤسسات، وتقلل الاعتماد على المنتجات المستوردة.
وهنا تحديداً تتجاوز رسالة والي الجزيرة حدود المصانع التي شملتها الجولة؛ فهي دعوة لإعادة تعريف مفهوم الصناعة في الولاية. فالجزيرة لا ينبغي أن تكتفي بالصناعات المرتبطة بالمنتجات الزراعية، على أهميتها، وإنما تستطيع أن تستوعب صناعات غير تقليدية في مجالات الطاقة الشمسية، والمعدات والآليات الزراعية، وقطع الغيار، والتعبئة والتغليف، والصناعات الهندسية والغذائية، وإعادة التدوير، وغيرها من الأنشطة التي يمكن أن تخلق قيمة مضافة وفرص عمل جديدة.
وتبدو حكومة الولاية مطالبة في هذا الاتجاه بمواصلة ما بدأته من اهتمام بالمناطق الصناعية، والعمل على تهيئة البنية التحتية والخدمات الأساسية، وتسهيل إجراءات الاستثمار، وربط المناطق الصناعية بشبكات الطرق والكهرباء والمياه، إلى جانب إعداد خريطة استثمارية واضحة تحدد الفرص المتاحة ونوع الصناعات التي تحتاج إليها الولاية.
فالحديث عن عشر مدن صناعية بالولاية لا ينبغي أن يبقى في إطار المساحات المخصصة للمصانع، وإنما يجب أن يتحول إلى مشروع اقتصادي متكامل. كل مدينة صناعية يمكن أن تتخصص في مجموعة من الصناعات وفقاً للموارد المتاحة بالقرب منها، بما يخلق توزيعاً أكثر توازناً للنشاط الاقتصادي، ويمنح المستثمر خيارات متعددة، ويحول الصناعة إلى محرك للتنمية المحلية.
والأمر لا يتوقف على حكومة الولاية وحدها. فالدعوة التي أطلقها الوالي لوزارة الصناعة وبنك السودان تحمل في جوهرها مطلباً بتوفير سند اتحادي لهذا التوجه، خاصة أن الصناعة لا تستطيع النهوض في ظل ارتفاع تكلفة التمويل أو صعوبة الحصول على النقد الأجنبي ومدخلات الإنتاج والطاقة وقطع الغيار. فالولاية تستطيع أن تهيئ الأرض وتبسط الإجراءات، لكن التمويل والسياسات الاقتصادية والحماية المدروسة للمنتج الوطني تحتاج إلى قرار على المستوى القومي.
كما أن القطاع المصرفي مطالب بالنظر إلى المصنع باعتباره مشروعاً إنتاجياً طويل الأجل، وليس مجرد طالب تمويل يبحث عن قرض. فتمويل مصنع جديد يعني تمويل وظائف، وإنتاجاً محلياً، وضريبة، وسوقاً، وتقليل فاتورة الاستيراد، وربما فرصة للصادر مستقبلاً.
وتأتي أهمية هذا التوجه في وقت يحتاج فيه السودان إلى اقتصاد يقوم على الإنتاج لا الاستهلاك، وعلى تحويل موارده إلى منتجات ذات قيمة مضافة. فالقمح لا ينبغي أن يغادر مناطق الإنتاج خاماً، والقطن يمكن أن يكون بداية لسلسلة صناعات تمتد إلى الغزل والنسيج والزيوت والأعلاف، والمحاصيل الزراعية يمكن أن تفتح أبواباً واسعة أمام التصنيع الغذائي والتعبئة والتغليف، والطاقة الشمسية يمكن أن تصبح مجالاً لصناعات وخدمات جديدة تتسع مع اتساع الحاجة إليها.
ومن هذه الزاوية، فإن جولة والي الجزيرة بالمناقل يمكن قراءتها باعتبارها جولة في مستقبل الصناعة بالولاية، لا مجرد زيارة لمصانع قائمة. فالمطلوب هو أن تتحول النماذج الموجودة اليوم إلى نواة لصناعة أوسع وأكثر تنوعاً، وأن تصبح المنطقة الصناعية بالمناقل عنواناً لمرحلة جديدة تتسع فيها قاعدة الإنتاج، وتتعدد فيها الصناعات، وتتجاوز الولاية الاعتماد على نشاط واحد مهما كانت أهميته.
لقد أثبتت الجولة أن هناك صناعة قائمة بالفعل، وأن المستثمر الوطني موجود، وأن العامل السوداني قادر على الإنتاج، وأن الأسواق تحتاج إلى المزيد من المنتج المحلي. وما ينقص هذه المنظومة هو المزيد من الدعم والتخطيط والتمويل والسياسات التي تجعل التوسع الصناعي ممكناً ومجدياً.
ومن المناقل يمكن أن تبدأ الفكرة الأكبر: ولاية الجزيرة ليست فقط سلة غذاء للسودان، وإنما يمكن أن تكون واحدة من أهم منصاته الصناعية أيضاً. وإذا نجحت حكومة الولاية في استكمال تهيئة المدن الصناعية، وجذب استثمارات جديدة، وتشجيع الصناعات غير التقليدية، وتكامل ذلك مع الدعم الاتحادي والتمويل المصرفي، فإن الصناعة يمكن أن تتحول من نشاط متفرق داخل الولاية إلى رافعة حقيقية للناتج المحلي، ورافد لفرص العمل، وسند لاستقرار الأسواق، وجزء أساسي من مشروع التعافي الاقتصادي للسودان.
ولهذا فإن رسالة جولة الوالي في المنطقة الصناعية بالمناقل تبدو أبعد من حدود المدينة: افتحوا أبواب الصناعة، فالجزيرة تملك المقومات، والمناقل تقدم النموذج، وما تحتاجه المرحلة هو تحويل هذه المقومات إلى مشروع صناعي كبير يخدم الولاية والسودان.