![]()
بصفتي أحد الأعضاء المؤسسين للرابطة الرياضية للسودانيين بالمملكة العربية السعودية – الصالحية، أشعر بسعادة خاصة وأنا أكتب هذه الكلمات بمناسبة ختام منافسات كأس الاستقلال، بعد أشهر من التنافس الرياضي الجميل، في أجواء عكست أجمل ما في الرياضة من تنافس شريف وروح رياضية وتواصل ومحبة جمعت أبناء السودان.
ولعل ما منح هذه الدورة عظمتها وخصوصيتها أن المنافسة لم تكن على بطولة رياضية عابرة، بل على كأس الاستقلال، الذي يحمل في الوقت نفسه اسم الرمز الرياضي السوداني والإفريقي الدكتور كمال شداد، الذي شرّف فعاليات الدورة بحضوره، فأضفى على المناسبة قيمة ورمزية استثنائية.
وهنا تلتقي في هذه البطولة رمزيتان كبيرتان: رمزية الوطن ورمزية الرياضة. فكأس الاستقلال يستحضر في وجداننا عظمة الوطن ومعنى الاستقلال وما يمثله من قيمة راسخة في الذاكرة السودانية، بينما يحمل الكأس اسم الدكتور كمال شداد، بما يمثله من ذاكرة حية لمسيرة الرياضة السودانية وامتدادها الإفريقي والعالمي، وما تركه من حضور وبصمة في تاريخها.

ومن هذا التلاقي اكتسبت الدورة بُعدًا يتجاوز حدود المنافسة داخل الملعب؛ فأصبحت احتفاءً بالوطن، وتكريمًا للرياضة ورموزها، وتجسيدًا لقدرة الرياضة على جمع السودانيين حول قيم الانتماء والتنافس الشريف والتواصل. لذلك، فإن الكأس الذي رُفع في ختام الدورة لم يكن مجرد كأس يتوج به فريق فائز، وإنما حمل معه رمزية وطن وذاكرة رياضة.
وفاءً لمن أسسوا وتركوا الأثر
وفي خضم هذا الاحتفاء بالاستقلال والرياضة والرابطة، لا بد أن نستحضر بكل الوفاء والتقدير أولئك الذين أسهموا في تأسيس هذا الصرح الرياضي والاجتماعي، ثم رحلوا عن دنيانا، تاركين وراءهم سيرة طيبة وأثرًا لا يزال حاضرًا في مسيرة الرابطة وذاكرة أعضائها.
نترحم على جميع قادة وأعضاء الرابطة الذين انتقلوا إلى رحمة الله، ونسأل الله أن يتغمدهم جميعًا بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدموه للرابطة ولأبنائها في ميزان حسناتهم.
وبصفة خاصة، نستذكر بكل الوفاء والامتنان المؤسسين الأوائل للرابطة، وفي مقدمتهم البروفيسور عز الدين عمر موسى، الرئيس الفخري للرابطة، والراحل الخبير الرياضي عبدالمنعم عبدالعال، والراحل المهندس عبدالمنعم عمر، الذين كانوا جزءًا أصيلًا من قصة التأسيس، وأسهموا مع رفاقهم في وضع اللبنات الأولى لهذا الصرح الذي ظل، على مدى سنوات، مساحة جامعة لأبناء السودان.

إن ذكر هؤلاء القادة لا ينبغي أن يكون مجرد استحضار لأسمائهم، وإنما هو تذكير بالأمانة التي تركوها للأجيال من بعدهم؛ أمانة المحافظة على الرابطة ووحدتها ورسالتها والقيم التي قامت عليها.
رحم الله من رحلوا، وأكرم نزلهم، ووسّع مدخلهم، وجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، وجزاهم عن الرابطة وأبنائها خير الجزاء.
وستظل ذكراهم حاضرة كلما اجتمع أبناء الرابطة، وكلما ارتفعت راية الرياضة، وكلما جمعت الملاعب أبناء السودان على المحبة والتنافس الشريف.

الرابطة.. أكثر من تجمع رياضي
لقد ظلت الرابطة، منذ تأسيسها، أكبر من مجرد تجمع رياضي؛ فقد شكلت مدرسة جامعة للفكر والثقافة والتربية والتواصل الاجتماعي، ومساحة يلتقي فيها السودانيون على اختلاف أعمارهم وأجيالهم. وبحكم دورها الممتد، أصبحت متنفسًا لمجتمعنا السوداني؛ يجد فيها أبناؤه الرياضة والمتعة، كما يجدون فيها التواصل والانتماء والتكافل، والمساحة المشتركة التي تجمعهم.
ومن أجمل ما أكدته هذه الدورة فلسفة الرابطة والشعارات التي قامت عليها: «كلنا فائزون».. «الرياضة تجمعنا».. «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون».

وفي هذه المناسبة الطيبة، يسعدني أن أتقدم بأصدق التهاني إلى فريق الحفير بمناسبة فوزه بكأس الاستقلال، وأحيي لاعبيه وجهازه الفني وإدارته على ما قدموه من أداء وروح تنافسية استحقت التتويج.
كما أتقدم بالتهنئة إلى فريق البشائر بمناسبة وصوله إلى المباراة النهائية وحصوله على مركز الوصافة. فقد أثبت الفريق، بأدائه طوال البطولة، أنه لم يكن أقل من منافسه في المستوى والقدرة على المنافسة، وأن وصوله إلى النهائي في بطولة بهذا المستوى هو في حد ذاته إنجاز يستحق التقدير، ولا سيما أن الحسم جاء عبر ركلات الترجيح، التي تفصل أحيانًا بين فريقين متكافئين في الأداء والقدرة.
ولا يمكن أن تمر هذه المناسبة دون تحية خاصة إلى فريق كرمة، الذي غادر المنافسة في أعقاب الأحداث التي صاحبت مباراته مع فريق الحفير، رغم ما أظهره من قدرات وإمكانات فنية عالية، وما قدمه من مستوى يؤكد أنه كان أحد الفرق القادرة على المنافسة حتى المراحل الأخيرة.
وتستحق إدارة فريق كرمة وقفة إجلال وتقدير خاصة، لالتزامها بما صدر من قرارات عن اللجنة المنظمة ولجنة الاستئنافات، رغم ما أحاط بأحداث المباراة من تباين في وجهات النظر. وهو موقف يعكس روح الانضباط والالتزام والخلق الرياضي الرفيع.
لقد أكد فريق كرمة بهذا الموقف أن قيمة الرابطة أكبر من أن تختزل في واقعة عابرة، وأن العلاقات بين أبنائها أسمى من أن تتأثر بنتيجة مباراة، فمنّا له ألف تحية وتقدير.

والتهنئة كذلك لكل الفرق التي شاركت في هذه الدورة؛ فكل فريق كان جزءًا من نجاحها، وكل لاعب أسهم بجهده في صناعة هذا المشهد الرياضي الجميل. ولولا هذه المشاركة الواسعة وهذا التنافس القوي، لما كان لكأس الاستقلال أن يصل إلى ما وصل إليه من نجاح.
والشكر، بعد ذلك، واجب ومستحق للجنة التنفيذية للرابطة بقيادة الأخوين العزيزين عبد العزيز شمد ومصعب معتصم، ولجميع اللجان التابعة والعاملة، ولكل من بذل جهدًا ووقتًا وفكرًا لإنجاح هذه الدورة.
فلا شك أن تنظيم بطولة رياضية بهذا المستوى ليس عملًا سهلًا، وأن وراء المشاهد التي تابعناها في الملعب طوال الدورة جهودًا كبيرة في التخطيط والتنظيم والمتابعة والتحكيم والإعداد والعمل المتواصل.
وإذا كان فريق الحفير قد حمل الكأس إلى منصة التتويج، فإن الرابطة رفعت كأسًا آخر: كأس النجاح في الاستمرار والصمود وجمع الناس، وكأس الوفاء لفلسفة التأسيس، وكأس القدرة على صناعة الفرح والتواصل في مجتمعنا.
ولعل أعظم ما يمكن أن نهديه للرابطة في ختام هذه الدورة هو أن نحافظ على ما صنعته عبر تاريخها، وأن نطور مؤسساتها، ونصون وحدتها، ونجعل من الرياضة مدخلًا أوسع للثقافة والفكر والتربية والتواصل الاجتماعي.
لقد اجتمعنا تحت راية الاستقلال، وتنافسنا على كأس يحمل اسم الدكتور كمال شداد، أحد الرموز البارزة في مسيرة الرياضة السودانية والإفريقية، وانتهت المنافسة بفوز فريق وخروج آخرين؛ لكن المعنى الأعمق يجب أن يبقى حاضرًا:
الوطن يجمعنا..
والرياضة تجمعنا..
ورابطة الصالحية تجمعنا.
مجدّدًا، مبروك لفريق الحفير البطولة، ومبروك لفريق البشائر الوصافة، ومبروك لفريق كرمة الأداء المميز وما قدمه من التزام وانضباط رياضي وتنظيمي.
والتحية لكل من أسهم في إنجاح هذه الدورة، ولكل من جعل من الرياضة مساحة للفرح والتواصل والمحبة والانتماء.
رحم الله مؤسسي الرابطة وقادتها وأعضاءها الذين رحلوا عن دنيانا، وحفظ الأحياء منهم، ووفّق أبناءها لمواصلة المسيرة وصون الإرث الذي تركه المؤسسون، لتظل الرابطة كما أرادوها: بيتًا جامعًا لأبناء السودان، ومنارة للرياضة والتواصل والمحبة.
المستشار/ البشري عبد الحميد
عضو مؤسس للرابطة الرياضية – الصالحية