كفر قاسم بعد 70 عامًا.. يوم صار الرجوع إلى البيت طريقًا إلى الموت

كفر قاسم بعد 70 عامًا.. يوم صار الرجوع إلى البيت طريقًا إلى الموت

Loading

خرجوا إلى أعمالهم، وعادوا إلى حظر لم يسمعوا به.


في كفر قاسم، صار الطريق إلى البيت مسرحًا للمجزرة.

بعد 70 عامًا، ماذا تقول الشهادات والوثائق عن القرار الذي سبق الرصاص؟

 كان الطريق يقود إلى البيت. لكن العمال والمزارعين الذين عادوا إلى كفر قاسم مساء 29 أكتوبر/ تشرين الأول 1956 وجدوا أن قرارًا عسكريًا سبقهم إلى مداخل قريتهم: حظر تجول لم يعلموا به، وأوامر بإطلاق النار على من بقي خارج منزله.

في ذلك المساء، لم يكن الوصول إلى القرية نهاية يوم العمل، بل بداية المجزرة.

بعد 70 عامًا، يبقى في الحكاية سؤال يتجاوز استعادة أسماء الضحايا وتاريخ الجريمة:

كيف أمكن تحويل فعل يومي، هو العودة إلى البيت، إلى ذريعة للقتل؟

تتضح الإجابة حين تُقرأ المجزرة في سياق الحكم العسكري المفروض على الفلسطينيين في الداخل، ثم حين يُتتبع المسار الذي انتقل بالقضية من طريق القرية إلى قاعة المحكمة.


نصف ساعة لا تصل إلى الغائبين


بحسب الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية، أُبلغ مختار كفر قاسم عند الرابعة والنصف عصرًا بأن حظر التجول سيبدأ في الخامسة. كان مئات السكان خارج القرية، وقد غادروها صباحًا للعمل. لم تكن المهلة تتيح إبلاغهم بالقرار، ومع ذلك شملت أوامر إطلاق النار العائدين من خارجها.

وقعت المجزرة في يوم بدء الهجوم الإسرائيلي على مصر عام 1956، ضمن العدوان الثلاثي، لكن القرية كانت بعيدة عن جبهة القتال. كان المستهدفون مدنيين فلسطينيين يحملون المواطنة الإسرائيلية. وتورد الموسوعة حصيلة 49 شهيدًا؛ وهي الحصيلة المتداولة للمجزرة، مع اختلاف نطاق العدّ بين المراجع عند احتساب ضحايا بلدات مجاورة أو وفيات مرتبطة بها.

تساعد شهادة محمود فريج المنشورة في “العربي الجديد” عام 2014 على فهم المسافة بين حياة العمال وحسابات القوة العسكرية. يروي محمود أنه كان عائدًا مع شقيقه أحمد ورجل آخر من العمل في المحاجر، وأنهم لم يكونوا يعلمون بالحظر.

“كنا نخرج من البيت مع طلوع الشمس ونعود مع غروبها، ولم تكن بحوزتنا ساعات أصلاً”.

لم ينجُ شقيقه من إطلاق النار، فيما بقي محمود يحمل أثر إصابته في فخذه. وتكشف شهادته أن زمن العودة كان مرتبطًا بإيقاع العمل والنهار؛ أما السلطة التي غيّرت موعد الحظر، فتعاملت مع وجود الناس على الطريق بوصفه سببًا لإطلاق النار، حتى حين لم يكن القرار قد وصل إليهم.

كفر قاسم.. العودة التي لم تكتمل 

 طريق رمزي بين أشجار الزيتون وبيوت بعيدة، تعبيرًا عن عودة قطعتها المجزرة

 حين تتحكم السلطة في الطريق والبيت


لم يكن حظر التجول منفصلًا عن حياة الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم بعد النكبة. فقد خضعوا للحكم العسكري حتى عام 1966، وكانت الحركة والعمل محكومين بالقيود والتصاريح. ويشرح تقرير “العربي” عن مسار فلسطينيي 1948 كيف استُخدمت أنظمة الطوارئ لإغلاق المناطق وتقييد التنقل، وكيف احتاج الخروج من القرى إلى تصريح من الحاكم العسكري.

في هذا السياق، لم تكن المسافة بين الحقل والمنزل شأنًا شخصيًا يقرره العامل وحده؛ كانت تمر عبر سلطة تستطيع السماح بالحركة أو منعها. وما تكشفه كفر قاسم، بأقصى درجات العنف، هو أن امتلاك بيت داخل القرية لم يضمن لصاحبه حق الوصول إليه.

لا يعني ذلك اختزال الجريمة في قسوة إجراء إداري. فالحظر يفسر الظرف الذي استُخدم لاستهداف الناس، لكنه لا يبرر إطلاق النار عليهم. والتمييز ضروري: لم تكن معرفة الضحايا بالقرار أو جهلهم به هي ما يمنح حياتهم الحماية؛ قتل المدنيين العزل هو أصل الجريمة.


من الإدانة إلى الإفراج


وصلت القضية إلى محاكمة 11 من عناصر وضباط حرس الحدود، أُدين 8 منهم. وتوضح المكتبة الوثائقية لمجزرة كفر قاسم، التي يتيحها معهد “عكيفوت” أن أحكامًا بالسجن صدرت عام 1958، ثم خُفّضت تباعًا. وفي مارس/ آذار 1960، كان آخر المدانين قد خرج من السجن.

واكتسبت المحاكمة حضورًا في النقاش القانوني بسبب معيار “الراية السوداء” المرتبط بالأمر غير القانوني بصورة جلية. وتبيّن دراسة أكاديمية عن المحاكمة أنها أسهمت في ترسيخ مبدأ يُلزم الجندي برفض هذا النوع من الأوامر، بدل الاحتماء بالطاعة لتبرير تنفيذه.

لكن الإدانة والمحاسبة ليستا شيئًا واحدًا. فإقرار المحكمة بأن الأمر لا يجوز تنفيذه لا يمحو ما تلا الحكم من تخفيف للعقوبات. ولهذا لا تكفي قراءة المجزرة بوصفها الواقعة التي أنتجت قاعدة قانونية؛ ينبغي أيضًا قراءة ما حدث لمن أدانتهم المحكمة، وما بقي لأسر الضحايا من عدالة.


متهمون في قضية مجزرة كفر قاسم، عام 1957؛ يظهر شموئيل ملينكي أقصى اليسار وفق وصف الأرشيف. المصور غير معروف / Wikimedia Commons، نقلًا عن “هآرتس”


وثائق لا تغلق الحكاية


امتدت معركة الوصول إلى الوثائق عقودًا بعد المحاكمة. ففي بيان نشره “عكيفوت” في مايو/ أيار 2022، أعلن المعهد صدور قرار يتيح الكشف عن مئات صفحات محاضر المحاكمة التي تناولت خطة “الخلد” ودورها في خلفية المجزرة. لكنه أوضح أن القرار رفض فتح نص الخطة نفسها وصور التُقطت في موقع الجريمة.

وتربط الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية الخطة بترهيب سكان المثلث ودفعهم إلى الرحيل. هنا تكتسب الوثائق أهميتها: فهي توسع السؤال من سلوك مطلقي النار إلى السياق الذي عملوا فيه. ومع ذلك، ينبغي الفصل بين ما كشفته المحاضر وما بقي محجوبًا بموجب ذلك القرار؛ فالسماح بنشر جزء من الأرشيف لا يعني أن الملف كله صار متاحًا.

كما أن محاولة إنهاء القضية اجتماعيًا سبقت كشف هذه الوثائق بزمن طويل. فقد تناولت دراسة للمؤرخة شيرا روبنسون مراسم “صلح” أُقيمت في القرية في نوفمبر/ تشرين الثاني 1957 برعاية رسمية. ويضع هذا المسار أمام القارئ سؤالًا آخر: من يملك إعلان انتهاء آثار الجريمة، الدولة أم أصحاب الفقد؟

لم تُنهِ زيارات المسؤولين هذا السؤال. ففي عام 2021، طلب إسحاق هرتسوغ الصفح باسمه وباسم إسرائيل. وبعد عامين، ظل رئيس اللجنة الشعبية في كفر قاسم يطالب الحكومة بتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية، في حديث منشور عام 2023.

بعد 70 عامًا، لا تنحصر كفر قاسم في نصف الساعة التي فصلت تبليغ الحظر عن بدء تنفيذه. إنها حكاية حق انتُزع من أصحابه في الطريق إلى منازلهم، ثم حكاية ذاكرة رفضت أن تُغلق بإدانة قضائية أو مراسم صلح أو طلب صفح.


كان الضحايا عائدين إلى بيوتهم؛ واستعادة قصتهم تبدأ من هذا الحق البسيط الذي لم تحمِه المواطنة التي كانوا يحملونها.