هل من يدلنا إلى بلاد الواقواق؟

هل من يدلنا إلى بلاد الواقواق؟

Loading

عند وقوع انقلاب الإنقاذ على الديمقراطية الثالثة عام 1989م، كان كل شيء غريبًا، وانتظر الناس والمراقبون بعض الوقت لمعرفة هوية الانقلابيين. حتى مخابرات دولة جارة تم تضليلها، فصفقوا في البداية، مهللين للانقلاب، وقالوا: «ديل بتوعنا». لكن سرعان ما بدأت الملامح تتكشف رويدًا رويدًا، بعد رواية أرسين لوبين التي سمعناها، والتي تقول: «أذهب إلى السجن حبيسًا، وأنا إلى القصر رئيسًا»، إمعانًا في التضليل.

نظام الإنقاذ أفرزته ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية معقدة. حرب في الجنوب، حيث بدأ الجيش يفقد فيها حامياته العسكرية واحدةً بعد أخرى، وصراعات عبثية بين القوى السياسية في الخرطوم، لم تكن من أولوياتها حياة المواطن والوطن. ونشأ رأي عام متصاعد بأن ما يحدث كان بسبب ضعف شوكة الحكومة الديمقراطية، والفوضى، وعدم المسؤولية.

لذلك كانت قراءة الإسلاميين هي: لا بد من انقلاب عسكري يحمل رؤيتهم، ويفرض الانضباط بصرامة، مع إقصاء الأحزاب السياسية، ورفع الشعارات الإسلامية المثيرة لعواطف البسطاء. وللأسف، بدلًا من الصدق في النوايا الإصلاحية والالتزام بالشعارات المرفوعة، بدأت الإنقاذ بالتصفيات السياسية لكوادر منافسيها، فكان ما سُمّي بقانون الصالح العام في الخدمة المدنية، واعتماد سياسة التمكين، ثم تأسيس بيوت الأشباح وقمع الحريات، وهي مناقضة لأهم قيم الإنسانية، وشراء الذمم التي حوّلت حتى بعض اليساريين المختلفين معهم فكريًا، وأصحاب المصلحة الشخصية، إلى إنقاذيين متطرفين تحت شعار: «روسيا، أمريكا، قد دنا عذابها».

ومضوا في تصنيف المواطن بين مسلم قوي، خير من كافر لا داعي لوجوده أو حياته في هذا الوطن. فانطلقت الكتائب الجهادية التي استهدفت أهل الجنوب والنوبة في كردفان، وهما من الأصول الاجتماعية الراسخة في السودان المختطف، وقالوا إنهم لا يشبهوننا. ثم ارتدّ ليطال بأس جهادهم مؤخرًا أهلنا في دارفور، حفظة القرآن، الذين لم يشفع لهم إسلامهم، فأضاع الإنقاذيون فرصة كان يمكن من خلالها تقديم نموذج «الإسلام هو الحل».

في ظل هذه الممارسات الطاردة لأبناء الوطن الذين ركبوا البحار إلى المنافي، استعصى على الناس التوفيق بين الشعارات التي تقول إن الإسلام دين الرحمة والعدالة والمساواة، وبين ما يحدث على أرض الواقع.

فكان أول تساؤل عن هوية هؤلاء الإنقاذيين من الأديب الطيب صالح، الذي قال متسائلًا: «من أين جاء هؤلاء الناس؟». وتفرعت بعد ذلك توصيفاتهم.

فقال بعض العارفين بتاريخ الشعوب إنهم البناؤون القادمون من المغرب بشمال أفريقيا، وفي ذلك روايات عديدة لا يسعها هذا المقال. وذهب البعض إلى القول إنهم من سلالة أفكار الأسود العنسي باليمن، الذي ادعى النبوة موازياً لرسالة نبينا محمد (ص). وقال آخرون إنهم من سلالة عبد الله بن سلول، زعيم الأوس والخزرج، الذي كان على وشك أن يتوج ملكًا على أهله قبيل ظهور الإسلام، فبقي في نفسه حقد ونفاق على الإسلام، ولم تفلح محاولات رسولنا الكريم في معالجته.

فقد قال عقب غزوة بني المصطلق، لخلاف بين بعض المسلمين على الماء: «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل»، ويقصد في ذلك نبينا الكريم. ودونكم قصة الصلاة عليه عند وفاته، وموقف سيدنا عمر الفاروق الصارم الذي أيّده القرآن.

ولكن بعيدًا عن كل هذه الإسقاطات، فقد تأكد للجميع أن جماعة انقلاب الإنقاذ هم أبناء الشيخ الترابي، الذين رباهم ثم تآمروا عليه حتى أدخلوه السجن. فقال عنهم في آخر أيامه: «تعلموا منا كل شيء إلا الأمانة والوفاء»، وتبرأ منهم.

وهكذا تعددت مسميات هذه الجماعة، التي سُمّيت أيضًا بالدواعش، انتسابًا إلى جماعات مماثلة لهم في التفكير والممارسة.

لكن في إطار استمرارية البحث عن هوية هذه الجماعات، جاء مؤخرًا ما سميناه مجازًا «الرحالة الكاتب فتحي الضو»، على غرار الرحالة والجغرافيين الذين ينقلون أخبار زياراتهم للبلدان والشعوب. حيث صدر له مؤخرًا كتاب عن دولة الواقواقيين، التي تُنسب هذه الجماعة إليها. وفيه نقل أوصافًا وصفات عن طير الوقواق والروايات شبه الخرافية عنه، وكانت لهم من صفاته نصيب.

عن بلاد الواقواق، رجعت إلى ما أفاد عنها الرحالة الحميري والقزويني في كتب رحلاتهم، فوجدت أنها تقع في مجاهل أفريقيا، من سواحلها الجنوبية الشرقية عند بلاد الزنج (زنجبار الحالية). وقالوا إنها بلاد حقيرة، وإن قومها أصلًا من أرخبيل في شرق آسيا، جاءوا على سفن «السيرافيون»، رواد البحار، واستقروا في شرق أفريقيا، وربما كان محكومًا عليهم بالنفي والإبعاد، أو كانوا في هجرات عادية.

لكن أجمع الرواة على أنها بلاد الغرائب. ففي بلاد الواقواق، تغيب سلطة الرجال لينهض مكانها حكم النساء. يكثر فيها الذهب، والناس يمشون عراة، وكلابهم وقرودهم على رقابها سلاسل من الذهب.

وطير الواقواق الذي أشار إليه الكاتب فتحي الضو بأنه يتصيد أعشاش غيره من الطيور ليضع بيضه شراكة معها في هذا العش، ثم يتخلص من البيض الآخر، فيفقس بيضه وتتربى فراخه تحت رعاية الطير صاحب العش الأصيل، حتى يكبروا ويطيروا دون أن يكون لهم ولاء لمن رعاهم بالإطعام. وهكذا يعيش حياته بلا التزام، وهذا ما تؤكده ممارسات هذه الجماعات.

ألم يكونوا يومًا في عش حزب الأمة مبكرًا قبل الطيران؟ بل كانوا شركاء في حكومة الديمقراطية الثالثة التي انقلبوا عليها. وسوّقهم الشيخ الترابي داخليًا وخارجيًا، ثم انقلبوا عليه وعلى أفكاره الاجتهادية، فأدخلوه السجن، واعترف بخطئه السياسي في الانقلاب، وندم، وقال: «تعلموا منا كل شيء إلا الأمانة والوفاء». وقد صدق، رحمه الله، فتلك تربيته.

وأزيدكم علمًا، يقال إن طائر الوقواق شبيههم هو ذات الطائر صاحب بيضة «أم كتيتي» التي إذا عثرت عليها فأنت في ورطة. فالأسطورة تقول: إن أخذت البيض يموت أبوك، وإذا تركته تموت أمك.

فهذا هو خيارنا اليوم أمام الجماعة الداعشية الواقواقية؛ فإذا عارضتهم، ادعى إعلامهم المنتشر أنك ضد الإسلام، وإذا صمت، فهم سيسومونك سوء العذاب مع الفساد…

لكن نقول: انتهى زمن التضليل الإعلامي، والشعب السوداني، بعد 15 أبريل، أصبح أكثر وعيًا بدينه الذي يقوم على أركان الإسلام والإيمان، وما عداه فهو اجتهاد يقوم على التراضي والتعايش بسلام، وفق فقه ومعنى الآية الكريمة في قوله تعالى: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» [سورة الحجر: الآية 9].

وقاعدة: «لكم دينكم ولي دين»، ولا وصاية من جهة أو أحد على دين الله، بعد أن تبين الرشد من الغي.