![]()
بعد 13 عامًا من هجوم الغوطة الذي اختنق فيه المدنيون بغاز السارين، عاد اسم المجزرة إلى واجهة ملف الأسلحة الكيميائية من خلال مخازن ومواقع لم يعلن عنها النظام السوري السابق.
ففي مايو/ أيار 2026، عثر مفتشو منظمة حظر الأسلحة الكيميائية على صواريخ من النوع نفسه المستخدم في هجوم 21 أغسطس/ آب 2013، إلى جانب ذخائر ومواد ومعدات وآلاف الوثائق المرتبطة ببرنامج بقيت أجزاء منه خارج الإعلانات الرسمية.
وهذا الاكتشاف لا يعني العثور على الصواريخ التي استُخدمت بعينها في الغوطة، ولا يكفي وحده لإدانة شخص محدد؛ لكنه يكشف أن الأسئلة التي فتحتها المجزرة لا تزال تتوزع بين مسارين متلازمين: معرفة ما بقي من الترسانة الكيميائية، ومحاسبة المسؤولين عن استخدامها.
وفي الذكرى الثالثة عشرة، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا مما تختصره عبارة “تدمير السلاح الكيميائي السوري”: ترسانة معلنة جرى التخلص منها، ومواقع غير معلنة ما زالت قيد التحقق، وتحقيقات دولية وثقت هجمات لاحقة، وملاحقات قضائية فرنسية مستمرة، وأحكام سورية صدرت مؤخرًا في قضية أخرى لا يجوز تقديمها بوصفها حكمًا خاصًا بمجزرة الغوطة.
ماذا حدث فجر 21 أغسطس 2013؟
استهدفت أربع ضربات كيميائية متزامنة مناطق مأهولة في الغوطتين الشرقية والغربية بريف دمشق، بينها عين ترما وزملكا ومعضمية الشام.
ووفق تقرير أصدرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان الجمعة 21 أغسطس/ آب 2026، أُطلقت عشرة صواريخ محملة بالسارين على الأقل بعد منتصف الليل، في ظروف ساعدت الغاز السام على الانتشار قرب سطح الأرض بينما كان السكان نائمين.
وثقت الشبكة مقتل 1144 شخصًا على الأقل، بينهم 1119 مدنيًا من ضمنهم 99 طفلًا و194 امرأة، فضلًا عن 25 مقاتلًا من المعارضة، وإصابة نحو 5935 شخصًا. وتمثل هذه الأرقام الحد الأدنى للضحايا الذين أمكن التحقق منهم فرديًا، لا حصيلة نهائية تغلق الباب أمام حالات تعذر توثيقها.
وكانت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما قد قدرت، في تقييم نشرته في 30 أغسطس/ آب 2013، عدد القتلى بـ1429 شخصًا، بينهم 426 طفلًا. واختلاف الرقمين يعكس اختلاف مصادر المعلومات وطرائق التوثيق؛ لذلك لا يجوز دمجهما أو تقديم التقدير الأميركي المبكر بوصفه الحصيلة الفردية الموثقة نفسها.
وقد فاقم الحصار المفروض آنذاك على المناطق المستهدفة نقص الأدوية والتجهيزات اللازمة لإنقاذ المصابين، فيما تركت المجزرة آثارًا صحية ونفسية واجتماعية طويلة الأمد لدى الناجين وأسر الضحايا.
ما الذي أثبته التحقيق الدولي.. وما الذي لم يكن مفوضًا بإثباته؟
خلصت بعثة الأمم المتحدة للتحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، المعروفة ببعثة سيلستروم، إلى أن صواريخ أرض-أرض محملة بالسارين استُخدمت على نطاق واسع في الغوطة. كانت مهمة البعثة تقنية: إثبات وقوع الهجوم وتحديد نوع المادة المستخدمة، من دون تفويض يتيح لها تسمية الجهة المنفذة.
ولا يعني غياب اسم المنفذ من تقرير البعثة أن أصل الهجوم أو استخدام السارين بقي موضع شك، بل يعكس حدود تفويضها.
وفي المقابل، خلص تحقيق لمنظمة هيومن رايتس ووتش، استنادًا إلى خصائص الصواريخ ومواقع السقوط وغيرها من الأدلة، إلى مسؤولية قوات النظام السوري السابق عن الهجوم.
وتعزو الشبكة السورية لحقوق الإنسان المجزرة كذلك إلى قوات نظام بشار الأسد، لكنها تشدد في تقريرها الصادر اليوم على فارق قانوني أساسي: إسناد الهجوم إلى جهة أو مؤسسة لا يحدد تلقائيًا المسؤولية الجنائية الفردية، التي تتطلب تحقيقات مستقلة ومحاكمات عادلة.
وثمة فارق قانوني آخر: وقع هجوم الغوطة قبل دخول انضمام سوريا إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية حيز النفاذ في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2013. لذلك لا يصح وصف الهجوم نفسه بأنه انتهاك لهذه الاتفاقية قبل سريانها على سوريا؛ لكن استخدام الغازات السامة كان محظورًا أصلًا بموجب القانون الدولي الإنساني العرفي وبروتوكول جنيف لعام 1925، ويمكن أن يندرج ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وفق شروط إثباتها.
دُمّر المعلن.. فكيف بقي الملف مفتوحًا؟
بعد المجزرة، انضمت سوريا إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، واعتمد مجلس الأمن في 27 سبتمبر/ أيلول 2013 القرار 2118 المتعلق بالقضاء على البرنامج الكيميائي السوري.
وأسفرت العملية الدولية عن تدمير نحو 1300 طن من المواد الكيميائية التي أعلنتها دمشق، كما تحققت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من تدمير 27 منشأة إنتاج معلنة. غير أن هذه المعطيات تتعلق بما أُدرج في الإعلان الرسمي، ولا تعني أن النظام السابق كشف كامل برنامجه أو جميع مخزوناته ومواقع إنتاجه.
وحتى تقرير المنظمة الصادر في مايو/ أيار 2026، بقيت 19 مسألة عالقة من أصل 26 سؤالًا أثارتها الفجوات والتناقضات في الإعلان السوري، بعد حسم سبع مسائل فقط. كما تحدث التقرير عن أكثر من 100 موقع إضافي يُحتمل ارتباطها بالبرنامج الكيميائي، إلى جانب المواقع المدرجة سابقًا، لا عن 100 موقع ثبت جميعًا أنها مخازن أسلحة.
تؤكد حصيلة الهجمات اللاحقة حجم الفجوة بين التخلص من المعلن وإنهاء استخدام السلاح. فقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان 222 هجومًا كيميائيًا في سوريا بين ديسمبر/ كانون الأول 2012 وديسمبر/كانون الأول 2024، نسبت 217 منها إلى قوات النظام السابق وخمسة إلى تنظيم “الدولة”. ووقع 184 هجومًا من الهجمات المنسوبة إلى قوات النظام بعد صدور القرار 2118.
وأسفرت الهجمات الـ217 المنسوبة إلى النظام السابق، وفق الشبكة، عن مقتل 1514 شخصًا وإصابة 11080 آخرين، فيما أصابت هجمات تنظيم “الدولة” 132 شخصًا. وتختلف هذه الحصيلة التوثيقية عن عدد الحالات التي نظرت فيها آليات دولية محددة بسبب اختلاف معايير التحقيق ونطاقه، ولا ينبغي التعامل مع الإحصاءات المختلفة بوصفها متناقضة تلقائيًا.
ماذا كشف المفتشون في 2026؟
أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في 27 مايو/ أيار 2026 أن فريقًا من خبرائها، عمل بدعم من السلطات السورية الحالية، عثر على عشرات الذخائر الكيميائية غير المعلنة خلال عمليات تفتيش في مواقع عالية الأهمية ضمن المثلث الواقع بين حماة وحمص واللاذقية.
وشملت المضبوطات ذخائر جوية من أنواع ربطتها تحقيقات سابقة بهجمات اللطامنة وخان شيخون عام 2017، وصواريخ من النوع ذاته المستخدم في هجوم الغوطة، ومواد كيميائية مخزنة على نحو منفصل، ومعدات متخصصة، وآلاف الصفحات من الوثائق.
وتقتضي الدقة التمييز هنا بين الأمرين: العثور على صواريخ من النوع نفسه يعزز المعرفة بطبيعة البرنامج وبالذخائر التي امتلكها، لكنه لا يثبت أن الصواريخ المكتشفة هي الصواريخ التي أُطلقت على الغوطة في أغسطس/ آب 2013.
وأشار تقرير المنظمة كذلك إلى العثور على مواد مرتبطة بعوامل حرب كيميائية في براميل متدهورة ومطمورة، وإلى اختفاء 75 أسطوانة غير معلنة من موقع في حلب مطلع عام 2026، وهي واقعة بقيت قيد التحقيق. ولا يكفي ذكر اختفاء الأسطوانات للجزم بمحتوياتها أو بالجهة التي نقلتها قبل استكمال الفحص والتحقيق.
وتمثل هذه الاكتشافات تحديًا أمنيًا وقضائيًا في الوقت نفسه: تأمين المواد الخطرة ومنع تسربها، مع توثيقها قبل إتلافها والحفاظ على سلسلة حيازة تسمح باستخدامها، عند الاقتضاء، في تحقيقات ومحاكمات لاحقة.
من يثبت الهجوم.. ومن يحدد الجهة المنفذة؟
تعمل عدة آليات دولية في الملف السوري، لكن لكل منها وظيفة مختلفة.
وتحدد بعثة تقصي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية ما إذا كان سلاح كيميائي قد استُخدم أو يُرجح استخدامه، لكنها لا تملك تفويضًا لتحديد المسؤول عن الهجوم.
ويتولى فريق التحقيق وتحديد الهوية تحديد الأشخاص أو الجهات أو الكيانات المتورطة في حوادث تدخل ضمن تفويضه، لكنه ليس محكمة ولا يصدر أحكامًا جنائية فردية. وقد خلص، في تقرير نشره في 22 يناير/ كانون الثاني 2026، إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن القوات الجوية التابعة للنظام السابق نفذت هجومًا بالكلور على كفرزيتا في 1 أكتوبر/ تشرين الأول 2016.
وتطرقت تقارير الفريق إلى هجمات في اللطامنة وسراقب ودوما عام 2018 وكفرزيتا، وإلى هجوم بغاز الخردل نسبه إلى تنظيم “الدولة” في مارع. لكن الفريق لم يصدر تقرير إسناد مستقلًا خاصًا بمجزرة الغوطة عام 2013؛ لذلك لا يجوز نسب مثل هذا التقرير إليه.
وتساعد الآلية الدولية المحايدة والمستقلة التابعة للأمم المتحدة في جمع الأدلة وحفظها وتحليلها لدعم الإجراءات القضائية، فيما تبقى إدانة الأشخاص وتحديد العقوبات من اختصاص محاكم مخولة قانونًا.
لماذا استمرت فجوة المحاسبة؟
لم تؤدِّ خطورة المجزرة إلى فتح طريق قضائي دولي شامل. فسوريا ليست طرفًا في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ما يحول دون تمتع المحكمة باختصاص إقليمي عام تلقائي على الجرائم المرتكبة داخلها.
واستخدمت روسيا والصين حق النقض عام 2014 ضد مشروع قرار كان سيحيل الوضع السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية. ولم يمنع ذلك جميع سبل الاختصاص الممكنة في حالات محددة، لكنه أغلق المسار الأشمل الذي كان يستند إلى إحالة من مجلس الأمن.
تعطل أيضًا عمل آلية التحقيق المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بعد انتهاء تفويضها عام 2017 وعدم تجديده. ثم أنشأت المنظمة فريق التحقيق وتحديد الهوية لسد جزء من فجوة إسناد المسؤولية، من دون أن يتحول ذلك إلى محكمة.
ودفعت هذه العوائق ناجين ومنظمات حقوقية إلى اللجوء إلى المحاكم الوطنية، ولا سيما في أوروبا، عبر الشكاوى الجنائية ومبادئ الولاية القضائية التي تسمح، وفق شروط كل دولة، بملاحقة جرائم دولية خطيرة.
ماذا حدث لمذكرة توقيف بشار الأسد في فرنسا؟
يتصل أحد أبرز المسارات القضائية بشكوى قدمها ناجون ومنظمات حقوقية أمام القضاء الفرنسي، وتشمل هجمات كيميائية وقعت في دوما وعدرا في 5 أغسطس/ آب 2013، ثم مجزرة الغوطة في 21 أغسطس/ آب من العام نفسه. ويجب عدم الخلط بين دوما الواردة في هذه الشكوى ودوما التي شهدت هجومًا آخر في أبريل/ نيسان 2018.
وأصدر قضاة تحقيق فرنسيون في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 مذكرات توقيف بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر ومسؤولين آخرين. وفي 25 يوليو/ تموز 2025، ألغت محكمة النقض الفرنسية المذكرة الصادرة بحق بشار عام 2023، استنادًا إلى الحصانة الشخصية التي كان يتمتع بها بصفته رئيسًا في تاريخ إصدار تلك المذكرة.
لكن قرار محكمة النقض لم يبرئ الأسد من الوقائع، ولم يغلق التحقيق، ونص على أن الإلغاء لا يؤثر في إمكان إصدار مذكرة بعد زوال صفته الرئاسية. وأفادت وكالة فرانس برس في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 بأن القضاء الفرنسي أصدر بالفعل خلال صيف ذلك العام مذكرة توقيف جديدة بحقه في القضية الكيميائية نفسها.
وبذلك، يتمثل الوضع القانوني الدقيق في أن المذكرة الأولى أُبطلت بسبب مسألة حصانة مرتبطة بتاريخ إصدارها، ثم صدرت مذكرة جديدة بعد فقدانه الرئاسة، فيما بقي التحقيق الجنائي قائمًا. ولا يوجد، حتى 21 أغسطس/ آب 2026، حكم فرنسي نهائي يدين بشار الأسد تحديدًا بمجزرة الغوطة.
ماذا تغير داخل سوريا بعد سقوط النظام؟
فتح سقوط النظام السابق وإتاحة الوصول إلى مواقع وأرشيفات جديدة نافذة لم تكن متاحة من قبل، وأعلنت السلطات السورية توقيف أشخاص يُشتبه في صلتهم بالبرنامج الكيميائي أو بهجمات محددة.
وفي مايو/ أيار 2026، أعلنت وزارة الداخلية القبض على العميد السابق خردل أحمد ديوب، المتهم بالمشاركة في التنسيق اللوجستي المرتبط بمجزرة الغوطة. كما تحدثت الشبكة السورية لحقوق الإنسان عن توقيف العميد السابق عدنان عبود حلوة، الذي شغل منصبًا في إدارة المدفعية والصواريخ، ودعت إلى توضيح وضعه القضائي وتمكين الضحايا من متابعة الإجراءات.
وأعلن ممثل سوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية كذلك، في مايو/ أيار 2026، توقيف 18 شخصًا يُشتبه في ارتباطهم بالبرنامج الكيميائي. لكن الاشتباه أو التوقيف لا يساوي إدانة، ولا يغني عن إعلان التهم والأدلة وضمان حقوق الدفاع وإجراء محاكمات علنية وعادلة.
في 11 أغسطس/ آب 2026، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق حكمًا غيابيًا بالإعدام بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر، ضمن قضية تناولت قتل مدنيين وتعذيبًا وانتهاكات ارتبطت بقمع الاحتجاجات في درعا عام 2011.
هذا الحكم لا يمثل إدانة قضائية خاصة بهجوم الغوطة الكيميائي. فالقضية السورية المتعلقة بقمع احتجاجات درعا، والدعوى الفرنسية المتعلقة بهجمات كيميائية عام 2013، مساران منفصلان من حيث الوقائع والإجراءات والأثر القانوني.
وأثارت المحاكمة السورية أيضًا انتقادات من منظمات حقوقية بشأن سرعة الإجراءات وكفاية الدفاع وصلابة الأدلة. ولا يُعد التشديد على معايير المحاكمة العادلة ترفًا قانونيًا؛ فالمحاسبة التي لا تصمد قضائيًا قد تضعف حقوق الضحايا في معرفة الحقيقة وتثبيت المسؤوليات بدل أن تحميها.
هل أُغلق الملف بعد استعادة سوريا حقوقها في المنظمة؟
في 9 يوليو/ تموز 2026، أعاد المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية لسوريا الحقوق والامتيازات التي كانت عُلقت بسبب إخلال النظام السابق بالتزاماته. وجاء القرار بعد تطور تعاون السلطات الحالية مع المنظمة، كما أقر المجلس خطة تحقق مرتبطة بتدمير أسلحة كيميائية من الفئة الثالثة في القطيفة وترتيبات تخص مواقع في القطيفة وحمص.
وتعكس استعادة الحقوق تغيرًا في مستوى التعاون المؤسسي، لكنها ليست شهادة تؤكد العثور على كل المخزون أو تدميره، ولا تعني إغلاق التحقيقات، ولا تمنح أي مشتبه به حصانة من الملاحقة.
ودعمت المنظمة أيضًا تدريب 26 مسؤولًا سوريًا من مؤسسات عدة في يوليو/ تموز 2026 لتعزيز القدرة على تنفيذ الالتزامات المرتبطة باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. غير أن بناء هذه القدرة لا يختصر المهمة الأساسية: إعلان كامل ودقيق، وصول إلى المواقع والأرشيفات، ثم تدمير موثق يخضع للتحقق الدولي.
ما المطلوب بعد 13 عامًا؟
يتطلب إغلاق ملف السلاح الكيميائي، بالمعنى الفعلي لا السياسي، تحديد المواقع ذات الصلة وتأمين المواد والذخائر الخطرة، ثم تقديم إعلان كامل عن البرنامج السابق وتدمير ما يُعثر عليه تحت رقابة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وتتطلب المحاسبة، في المقابل، حفظ الوثائق والمواد والأدلة ضمن سلسلة حيازة موثقة، وتحديد المسؤوليات على امتداد سلسلة الأوامر والتصنيع والنقل والإطلاق، وإجراء محاكمات مستقلة وعادلة لا تخلط بين الاشتباه والإدانة ولا بين قضية وأخرى.
ويبقى حق الضحايا جزءًا من هذا المسار: معرفة الحقيقة، والكشف عن مصير الأدلة، والعلاج وإعادة التأهيل والدعم النفسي، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات بما يضمن عدم تكرار الجريمة.
في الذكرى الثالثة عشرة لمجزرة الغوطة، أُثبت استخدام السارين، وتكشف المواقع والذخائر المكتشفة أن إعلان النظام السابق لم يحط بكل تفاصيل برنامجه، فيما تحركت مسارات قضائية داخل سوريا وخارجها من دون صدور حكم نهائي خاص بالمجزرة يطوي ملفها. لذلك، لا يكتمل الجواب عن السلاح الكيميائي بتدمير ما تبقى منه وحده، بل بمحاسبة مسؤولة تكشف الحقيقة وتصون حقوق الضحايا.
