مسار عسكري وسياسي.. كيف تشكّل الحضور الإيراني في لبنان خلال أربعة عقود؟

مسار عسكري وسياسي.. كيف تشكّل الحضور الإيراني في لبنان خلال أربعة عقود؟

Loading

يرتبط الحضور الإيراني في لبنان ببدايات الثمانينيات، وتحديدًا بمرحلة الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، التي شكّلت نقطة تحوّل في انخراط طهران المباشر بالساحة اللبنانية.

صحيح أن علاقات دينية وسياسية محدودة كانت قائمة قبل الثورة الإسلامية عام 1979، إلا أن قيام الجمهورية الإسلامية منح إيران مقاربة جديدة تقوم على دعم حركات تعتبرها “مستضعفة” في المنطقة، وكان لبنان، بتعقيداته الطائفية والسياسية وموقعه الجغرافي، ساحة مناسبة لترجمة هذه المقاربة.

ومع دخول وحدات من الحرس الثوري الإيراني إلى البقاع عبر سوريا عام 1982، بدأ التأسيس الفعلي لنفوذٍ منظم، تَصدَّرَت أهدافُه في تلك المرحلة مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وبناء قوة مقاومة محلية. وأسهم هذا المسار في نشوء حزب الله كتنظيمٍ عقائدي مسلح، ارتبط بطهران على المستويين الأيديولوجي والعملياتي.

ومنذ ذلك الحين، تطوّر الحضور الإيراني من دعم عسكري وأمني إلى شبكة علاقات سياسية واجتماعية وثقافية واسعة داخل البيئة الشيعية، ما جعل إيران لاعبًا ثابتًا في التوازنات اللبنانية الداخلية، وفي امتدادات الصراع الإقليمي مع إسرائيل والولايات المتحدة.


كيف تطوّر الحضور الإيراني في لبنان؟


اليوم، يمتد النفوذ الإيراني في لبنان عبر مسارات سياسية وعسكرية وإعلامية واجتماعية، ويتشابك مع ملفات إقليمية أوسع، من الأحداث في سوريا إلى الصراع الإيراني-الإسرائيلي. ورغم تبدّل الظروف الإقليمية والدولية، بقي هذا الحضور أحد العناصر الأكثر تأثيرًا في المشهد اللبناني خلال العقود الأربعة الأخيرة.


قبل 1979: روابط دينية ودبلوماسية محدودة 

قبل انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، كان الوجود الإيراني في لبنان محدودًا، وغالبًا ما اتخذ طابعًا ثقافيًا-دينيًا وتجاريًا أكثر مما هو سياسي أو أمني. فإيران في عهد الشاه كانت حليفًا مباشرًا للولايات المتحدة، ولم يكن لبنان ضمن أولوياتها الاستراتيجية في ظل توازنات عربية وإقليمية مختلفة.

ومنذ خمسينيات القرن الماضي، اتخذت العلاقات بين لبنان وإيران طابعًا دبلوماسيًا تقليديًا، تمثل بسفارات وتمثيل رسمي وزيارات بروتوكولية محدودة. وأدّت السفارة الإيرانية في بيروت دورًا كلاسيكيًا في التنسيق الاقتصادي والثقافي ومتابعة شؤون جالية إيرانية محدودة العدد، فيما عملت السفارة اللبنانية في طهران على تعزيز تعاون تجاري وسياحي محدود.

ومع ذلك، شكّلت الروابط الدينية الشيعية نقطة اتصال مبكرة بين البلدين، عبر طلاب علوم دينية لبنانيين درسوا في قم ومشهد، وعبر علاقات ثقافية مع مناطق جبل عامل والنبطية. وبعد عام 1959، ومع وصول الإمام موسى الصدر إلى لبنان، اكتسبت هذه الروابط بعدًا جديدًا؛ إذ تابعت السفارة الإيرانية نشاطه بوصفه شخصية دينية بارزة من أصول إيرانية، في سياق ظلّ في مجمله ثقافيًا-دينيًا أكثر منه سياسيًا.

أما الصدر، الذي استقدمته المرجعيات الدينية الشيعية لمعالجة فراغ قيادي داخل الطائفة، فقد عمل على تنظيم الحياة الدينية لدى الشيعة في لبنان، فأسس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى (1969)، ثم أطلق حركة أمل (1974) كإطار سياسي-اجتماعي. (1) 


1979 – 1982: تمدّد تدريجي وبناء القنوات

مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 بقيادة آية الله روح الله الخميني، دخلت طهران مرحلة جديدة من النشاط الإقليمي، مركّزة على دعم حركات حليفة وتيارات قريبة من خطابها. وكان لبنان، ولا سيما الطائفة الشيعية، هدفًا أساسيًا لهذه المقاربة لاعتبارات عدة.

ففي ذروة الحرب الأهلية (1975-1990)، كانت الطائفة الشيعية تُعاني من غياب تمثيل سياسي فعّال وظروف اقتصادية صعبة، خصوصًا في مناطق البقاع والجنوب. وفتح هذا الفراغ السياسي والاجتماعي الباب أمام إيران لتوسيع نفوذها عبر البعد الديني والسياسي ودعم الشيعة اللبنانيين سياسيًا وعسكريًا، لمُواجهة إسرائيل؛ بالإضافة الى نشر فكر الثورة الإسلامية، أي إقامة مجتمع سياسي-ديني يلتزم بالمبادئ الخمينية، بما يشمل الولاء لقيادة إيران. فتمّ إنشاء قنوات للنفوذ المباشر وغير المباشر، خصوصًا في الجنوب والبقاع وجبل عامل. 

ومع تراجع حضور الدولة وتفاقم الاحتلال الإسرائيلي لاحقًا، اتسعت هوامش العمل الديني-السياسي والعسكري. ضمن هذا السياق، ركّزت إيران بين 1979 و1982 على بناء نفوذ تدريجي عبر قنوات دينية وفكرية قبل الانتقال إلى العمل العسكري الأوسع. واعتمدت على علماء لبنانيين مقيمين في إيران أو المرتبطين بحوزاتها لنشر خطاب الثورة الإسلامية وشرعية ولاية الفقيه

 شكّلت مرحلة اجتياح 1982 نقطة تحوّل في انخراط طهران المباشر بالساحة اللبنانية – غيتي

وفي تلك الفترة، تراجع تأثير النجف، التي مثّلت مرجعية شيعية تقليدية، لصالح صعود قم بوصفها مركز تعبئة عقائدية وتنظيمية. وأرسلت إيران طلابًا لبنانيين للدراسة في قم، وقدّمت تمويلًا للحسينيات والمدارس الدينية في الضاحية والجنوب، وطوّرت شبكة تعبئة شبابية تقارب الدين من زاوية المقاومة والجهاد.

بالتوازي، بدأ الحرس الثوري تقديم تدريب ودعم لمجموعات شيعية مسلحة عبر قنوات متعددة، بما مهّد لنفوذ عسكري مبكر في الجنوب والبقاع قبل تبلور حزب الله بصيغته المعروفة لاحقًا. كما جرى تعزيز الروابط مع علماء دين لبنانيين، وتوسيع نشاط مؤسسات اجتماعية وثقافية وإعلامية هدفت إلى ترسيخ خطاب الثورة.

كما انسحب الدعم الإيراني على مؤسسات موسى الصدر ولو بطريقة غير رسمية ومحدودة، وجرى التعاون مع المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وحركة أمل بهدف توحيد الطائفة الشيعية سياسيًا واجتماعيًا، واستغلال ذلك كقاعدة للنفوذ الإيراني المستقبلي. (2) 

ولعبت إيران في هذه الفترة دورًا متدرّجًا لكن حاسمًا، في إعادة تشكيل الساحة الشيعية في لبنان، مستفيدة من ظروف انهيار الدولة خلال الحرب الأهلية ومن التحوّلات داخل حركة أمل بعد اختفاء موسى الصدر عام  1978 ما أحدث صدمة كبرى داخل المجتمع الشيعي، لأنّه كان المرجعية السياسية والدينية القادرة على جمع القوى وتنظيمها. 

وبعد غيابه، واجهت حركة أمل صعوبات في الحفاظ على وحدتها الفكرية والتنظيمية، وصعد نبيه بري كقائد ذي توجّه عملي وبراغماتي أقرب إلى دمشق منه إلى طهران. وفهمت إيران مبكرًا أنّ لحظة انتقال القيادة في “أمل” هي فرصة استراتيجية، لكنّها لم تبدأ بتشكيل تنظيم مسلح فورًا، بل وضعت أساسًا عقائديًا وفكريًا أولًا، وأرسلت مبعوثين من الحرس الثوري، وفتحت قنوات دعم لرجال دين لبنانيين متأثرين بقم و فكر ولاية الفقيه.

في هذا الوقت، بحثت إيران عن بدائل تنظيمية خارج حركة أمل، من أبرزها المجموعات الإسلامية الصغيرة التي ظهرت في الضاحية والجنوب، ومنها: “حزب الدعوة“، و”المرابطون الإسلاميون“، و”القطاع الإسلامي في بعلبك“، وشبكات طلاب الحوزات

 بحلول عامي 1982 و1983، أصبح هناك خطّان داخل الساحة الشيعية:
  1. خط أقرب إلى دمشق عبر حركة أمل ذات الطابع البراغماتي: سياسي، يطلب التعايش داخل النظام اللبناني. 
  2. خط عقائدي أكثر التصاقًا بخطاب طهران وولاية الفقيه: ثوري، جهادي، يتخذ ولاية الفقيه مرجعية ويُشكّل نواة حزب الله. (3) 

1982 – 1989: الاجتياح الإسرائيلي وتبلور حزب الله

بعد اجتياح إسرائيل للبنان في يونيو/ حزيران 1982، دخلت وحدات من الحرس الثوري الإيراني إلى البقاع عبر تنسيق مع سوريا، وأُنشئت قواعد تدريب في محيط بعلبك ومناطق قريبة. وتشير تقديرات مختلفة إلى أن عديد العناصر تراوح بين نحو ألف وألفي عنصر في ذروة الوجود العسكري المباشر، مع اختلاف المصادر في الأرقام الدقيقة.

تركّزت مهام هذا الوجود على تدريب مجموعات لبنانية على العمل المسلح، وبناء معسكرات وتجهيزات، وإرساء جهاز عقائدي-ديني لنشر خطاب ولاية الفقيه. وعلى هذه الأرضية، تبلورت البنية التنظيمية لحزب الله، مع حضور رجال دين وشخصيات شيعية لعبت أدوارًا فكرية واجتماعية، ومنهم محمد حسين فضل الله في الجانب الفكري، ورجال دين من بلدة النبي شيت ومحيطها، إضافة إلى دور المستشارين العسكريين في التدريب وبناء القدرات.

وترافق ذلك مع دعم لوجستي عبر سوريا شمل نقل السلاح والذخائر، ودعمًا ماليًا ورواتب وشبكات خدمات اجتماعية وصحية، مثل المدارس، والمستوصفات، وشبكات إغاثة، وامتدّ لاحقًا إلى دعم مستشفى الرسول الأعظم، ومؤسسة الشهيد، ومؤسسة جهاد البناء التي بدأت نواتها أواخر الثمانينيات. 

وشهدت منتصف الثمانينيات صدامات داخل البيئة الشيعية بين حزب الله وحركة أمل، وحينها دعمت إيران حزب الله عسكريًا وعقائديًا، فيما دعمت سوريا حركة أمل سياسيًا وأمنيًا. 

وبلغت هذه الصدامات ذروتها بين 1987 و1988 فيما عُرف بـ”حرب الإخوة“، ضمن تشابك معقد بين خطوط دمشق وطهران في لبنان. وكان الدور الإيراني بارزًا جدًا، إذ حاولت طهران لعب دور توفيقي واعتمدت بشكل واضح على ترجيح كفة حزب الله في الجنوب والبقاع وأرسلت قادة ميدانيين بارزين، منهم: عماد مغنية (في الجانب الأمني) وضباط من “فيلق القدس” قبل تأسيسه رسميًا. 

 دعمت إيران حزب الله عسكريًا وعقائديًا، فيما دعمت سوريا حركة أمل سياسيًا وأمنيًا – غيتي

أما العمليات التي نُسبت إلى تلك المرحلة ضد القوات الإسرائيلية، والتي أشرف عليها الإيرانيّون، فتنوّعت بين كمائن وعمليات تفجير واستهدافات في الجنوب، إضافة إلى عمليات استهدفت قوات متعددة الجنسيات في بيروت عام 1983؛ وقد وجّهت الولايات المتحدة ودول غربية اتهامات إلى إيران والحرس الثوري بالضلوع أو الدعم، فيما تناولت دراسات غربية تلك المرحلة بوصفها مرحلة “تسييس/تأطير” الهوية الشيعية في لبنان ضمن خطاب المقاومة. 

أبرز العمليات العسكرية ضدّ الاسرائيليين (1982-1989)


  •  العمليات الاستشهادية ضد الجيش الإسرائيلي في الجنوب (1983-1985) 
  • عملية دير قانون (نوفمبر/ تشرين الثاني 1982) التي نفذها أحمد قصير من بلدة دير قانون النهر ضد مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور، وأسفر عن مقتل عشرات الجنود والضباط. وتُعد العملية أول عمل استشهادي بارز ضد الاحتلال في جنوب لبنان، وبداية تحوّل نوعي في مسار المقاومة. 
  • عمليات تفجير ضد مقرّ المارينز والقوات الفرنسية في بيروت (أكتوبر/ تشرين الأول 1983): اتهمت مؤسسات أميركية وأوروبية إيران والحرس الثوري بالإشراف المباشر على العملية عبر جهاز “الوحدة 1800”. 

بعد اتفاق الطائف (1989) وما تلاه من ترتيبات داخلية، تراجع الوجود الإيراني العسكري المباشر بصورة علنية، واتجه أكثر نحو نموذج “الدعم بالوكالة” عبر مستشارين وخبراء، في مقابل ترسّخ دور حزب الله كذراع تنفيذية محلية ضمن استراتيجية إقليمية أوسع. (4)

إيران = قيادة استراتيجية 
حزب الله = ذراع تنفيذي محلي

1989 – 2000: تثبيت النفوذ بين السرية والسياسة

بعد انتهاء الحرب الأهلية رسميًا عام 1990، استمر الدعم الإيراني لحزب الله عسكريًا وسياسيًا، لكن بظهور أقل في الميدان وبطابع أكثر سرية. وشمل ذلك تدريب وحدات الحزب على تكتيكات قتالية مختلفة، وتطوير قدرات صاروخية قصيرة المدى لاستخدامها ضدّ إسرائيل في الجنوب، وتأمين خطوط الإمداد عبر سوريا، بحيث لا تظهر عناصر إيرانية مُسلّحة علنًا داخل لبنان.

وفي التسعينيات، تمّ إنشاء وحدات مُتخصّصة للعمليات الاستشهادية، معظمها كان تحت إشراف إيراني مباشر في البداية ثم إدارة محلية لاحقًا.

وفي هذه الفترة، تكرّس تحوّل حزب الله إلى لاعب سياسي مؤثر عبر مشاركته في الانتخابات النيابية (1992 و1996)، ما أتاح له توسيع نفوذه داخل المؤسسات والتحالفات، بالتوازي مع استمرار دوره العسكري في الجنوب حتى الانسحاب الإسرائيلي عام 2000.

وتضمّن دعم إيران سياسيًا لحزب الله تقديم استشارات مُباشرة أو غير مُباشرة لقادة الحزب حول مواقفهم من الملفات الداخلية، والصفقات مع سوريا، والتوازن بين المقاومة والنفوذ السياسي، وإدارة الخلافات مع فصائل شيعية أخرى. فكانت إيران، عبر حزب الله، تلعب دورًا تأثيريًا مُباشرًا في الصراعات الداخلية بين الفصائل الشيعية، مثل الصراع مع حركة أمل

تاريخ الصراع بين حزب الله وإسرائيل – تقرير من أرشيف التلفزيون العربي

كما كانت إيران تتدخّل في الخلافات السياسية، فكان حزب الله بتوجيه إيراني، يضغط أحيانًا على الحكومة اللبنانية أو على الأحزاب الأخرى لتثبيت مصالحه، مثل رفض قوانين أو قرارات قد تُؤثّر على المقاومة أو على النفوذ الشيعي. 

وكانت إيران أيضًا تُراقب عن قرب تنسيق حزب الله مع سوريا لضمان استمرار نفوذها في لبنان من دون مواجهة مباشرة مع دمشق، مع تدخّل محدود أحيانًا لإعادة التوازن عند حدوث توترات. 

كما اتسع البعد الاجتماعي والثقافي ضمن شبكة خدماتية كبيرة، شملت مدارس ومستوصفات ومؤسسات إغاثة، ما ساهم في بناء قاعدة نفوذ أكثر رسوخًا داخل البيئة الحاضنة. (5)

أبرز العمليات التي دعمتها إيران بين عامي 1989 و2000


  •  عمليات ضد إسرائيل: كمائن ومُواجهات مباشرة في الجنوب اللبناني ضد الجيش الإسرائيلي وقوات جيش لبنان الجنوبي.
  • عمليات استشهادية محدودة في التسعينيات. 
  • إطلاق صواريخ قصيرة المدى على مواقع إسرائيلية في الأراضي المحتلة.

2000 – 2010: ترسيخ الشرعية وتوسّع الدور

بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 وحتّى نهاية عام 2010، تحوّل نفوذ إيران في لبنان من تأثير محدود عبر وسيط (سوريا)، إلى وجودٍ فعّال ومؤسَّساتي يستند أساسًا إلى حزب الله كذراع عسكرية وسياسية واجتماعية لإيران في لبنان.

عسكريًا، ارتبطت هذه المرحلة بتطوير الترسانة الصاروخية وتنوعها، وببناء قدرات اتصالات وقيادة وسيطرة، وتكتيكات دفاعية وهجومية. وتزامن ذلك مع حرب يوليو/ تموز 2006 التي أبرزت أثر هذا التطوير في القدرة الصاروخية، قبل أن يدخل لبنان لاحقًا مرحلة إعادة إعمار لعبت فيها شبكات الحزب دورًا أساسيًا بدعم مباشر وغير مباشر.

سياسيًا، ترافقت محطات مفصلية مثل اغتيال رفيق الحريري عام 2005 وانسحاب سوريا مع إعادة رسم الخريطة الداخلية، وتوسّع الاستقطاب بين محوري 8 و14 آذار. وبرزت أحداث مايو/ أيار 2008 واتفاق الدوحة كإحدى اللحظات الفاصلة التي أظهرت توازن القوة داخل الداخل اللبناني.

خلاصة هذه المرحلة أن النفوذ الإيراني ترسّخ عبر مزيج من القوة العسكرية، والحضور السياسي، والتمويل الاجتماعي والخدماتي، على نحو جعل هذا النفوذ حقيقة مؤسساتية يصعب تجاهلها في أي معادلة لبنانية أو إقليمية.

 

 1- الدور العسكري والأمني (تزويد، تدريب، استشارات) 


 زوّدت إيران حزب الله بصواريخ قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، وأنظمة صاروخية متعددة الأنواع ( شاهين، وزلزال، وفجر 5، وفجر 3، وأنواع أخرى)، إضافة إلى كميات كبيرة من قذائف الكاتيوشا، وذخائر مُعدَّلة محليًا. 

وقبل حرب يوليو/ تموز 2006، قُدِّرَت ترسانة الصواريخ لدى حزب الله بعشرات الآلاف. وقدّم فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني (وخصوصًا وحدات قادها سليماني)، تدريبًا عسكريًا وتخطيطًا لمهام متقدمة، منها:
تكتيكات الصواريخ، وشبكات الاتصالات، وحرب المدن، ونماذج القيادة والسيطرة، بالإضافة الى تدريب مقاتلي حزب الله في معسكرات داخل إيران وأخرى في سوريا، وتعلّم استخدام منظومات صاروخية معقدة، وتقنيات تصنيع وتجميع ذخائر معدّلة محليًا، وتطوير قواعد لوجستية وأنفاق ومخابئ تحت الأرض (خصوصًا بعد عام 2006).  
 بعض الأسلحة والأنظمة التي لعبت دورًا بارزًا:  
  • “فجر-5″، و”زلزال” و”كاتيوشا” وأنظمة متعدِّدة المصدر، وهي ترسانة كثيفة للزخم التكتيكي والميداني.  
  • “خيبر 1″، و”شاهين” و”Naze’at” وأنواع أخرى، بعضها ذو منشأ إيراني أو مُعدّل أضافت تنوّعًا في القدرات النارية لدى الحزب.  

2- الدور السياسي


أما أبرز المحطات الزمنية الحاسمة وتأثيرها في هذه الفترة، فنسردها كالتالي:  
عام 2000: أوجد انسحاب إسرائيل من الجنوب فراغًا ميدانيًا، ووصفه كثيرون كنقطة بداية لانتقال علاقات حزب الله مع إيران من كونها “عملياتية عبر سوريا” إلى تزايد استقلالية ووضوح في العلاقة الإيرانية-اللبنانية. 
عام 2005: أعاد اغتيال رفيق الحريري وانسحاب سوريا من لبنان تشكيل الخريطة السياسية اللبنانية؛ إذ حافظت إيران على نفوذها عبر حزب الله وتحالف 8 آذار، واستثمرت في توسيع قنوات الاتصال المُباشرة داخل لبنان.   
عام 2006: أظهرت حرب تموز (حرب 34 يومًا)، قدرة حزب الله على استخدام ترسانته الصاروخية ضد أهداف إسرائيلية بعيدة (نتيجة مباشرة لتزويد وتدريب إيراني). ورفعت الحرب حزب الله على الصعيد الإقليمي، لكنّها سبّبت دمارًا واسعًا في الجنوب والضاحية الجنوبية، ما أسفر عن مرحلة إعادة إعمار لاحقة دعمت فيها إيران وحزب الله شبكات ولاء مجتمعية. 
عام 2008: أظهرت أحداث مايو/اتفاق الدوحة قدرة حزب الله على الحشد السياسي والعسكري داخليا، وبرزت علاقة إيران بدورها في التوازنات السياسية المحلية. (6) 
وأثّرت إيران عبر حزب الله وتحالف 8 آذار، في تشكيل حكومات، وفي الموازنات الداخلية، وفي ملفات سيادية كسلاح حزب الله. وتوسّعت هذه الضغوط السياسية بعد 2005 عندما غاب الدور السوري التقليدي كوسيط وحارس. كما أدى صعود حزب الله إلى استقطاب واضح في المشهد السياسي اللبناني بين محور 8 آذار (من ضمنه حزب الله و أطراف حليفة) ومحور 14 آذار (قوى معارضة لحزب الله وعلاقاته الإقليمية).   

إذًا، خلال العقد 2000-2010، نجحت إيران في بناء وجود فعّال في لبنان عبر مزيج من التدخّل العسكري (تسليح وتدريب)، والنفوذ السياسي (حلفاء داخل النظام والحضور في مجلس النواب والشارع)، والتمويل الاجتماعي والاقتصادي (إعادة إعمار وشبكات خدمات). وكان حزب الله الوسيط والذراع الأساس، لكنّ نفوذ إيران امتد ليشمل آليات دبلوماسية وإعلامية ومؤسساتية أحدثت واقعًا جديدًا على الساحة اللبنانية. 

وفي نهاية العقد، تحوّل النفوذ الإيراني إلى حقيقة مؤسَّساتية لا يُمكن تجاهلها ضمن أي معادلة لبنانية أو إقليمية. 


بعد 2010: نفوذ بنيوي وتحوّلات الساحات  

منذ مطلع العقد الثاني من الألفية، انتقل النفوذ الإيراني في لبنان إلى مستوى بنيوي أعمق ضمن الاستراتيجية الإقليمية لطهران. 

وخلال هذه المسيرة، أصبح لبنان قاعدة عسكرية متقدمة لإيران، مساحة نفوذ سياسي غير مباشر، وورقة ضغط إقليمية في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. وبدأ النفوذ الإيراني يظهر بشكل أكثر استقلالية ووضوحًا، معتمِدًا على حزب الله كذراع رئيسية. 

ومنذ عام  2010، ركّزت إيران على الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة، والقدرات البحرية، وأنظمة الرصد والاستخبارات، فتحوّل لبنان إلى مخزن استراتيجي متقدّم في أي مواجهة إقليمية. 

خلال هذه الفترة، برزت أسماء محورية ايرانية  كقاسم سليماني الذي اعتُبر العقل المدبّر للتنسيق بين حزب الله وسوريا والميليشيات الحليفة؛ وإسماعيل قاآني الذي تولّى قيادة فيلق القدس بعد سليماني. 

انتقل النفوذ الإيراني في لبنان إلى مستوى بنيوي أعمق ضمن الاستراتيجية الإقليمية لطهران – غيتي

لبنانيًا، تحوّل الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله من قائد تنظيم محلي إلى لاعب إقليمي. 

واستطاعت إيران في هذه الفترة، حماية سلاح حزب الله كخط أحمر وفرض توازنات عبر التعطيل السياسي (الثلث الضامن، إسقاط الحكومات)، كذلك تمّ تعطيل انتخاب رؤساء الجمهورية عند الحاجة وفرض معادلات حكومية من دون تحمّل مسؤولية السلطة والتحكّم غير المباشر بقرار السلم والحرب.

وشكّل اندلاع الثورة السورية عام 2011 تحولًا استراتيجيًا، إذ انتقل حزب الله من دور محلي إلى مشاركة إقليمية ضمن حسابات ومحاور أوسع، وتحول لبنان إلى قاعدة خلفية وممر لوجستي وداعم بشري وتنظيمي.

ومع الانهيار الاقتصادي في لبنان عام 2019، استثمرت إيران بالمساعدات الغذائية، والمحروقات، والخدمات الصحية، ودفع الرواتب بالدولار لعناصر الحزب. وبعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ومع فتح جبهة الجنوب بوصفها “جبهة إسناد” لغزة، عاد لبنان إلى واجهة التوظيف الإقليمي ضمن سقفٍ سعى إلى تجنّب الحرب الشاملة، مع بقاء مستويات متفاوتة من التصعيد. (7)

أما على المستوى الدولي، فقد سعت قرارات مجلس الأمن، ولا سيما 1559 و1701، إلى كبح استخدام الأراضي اللبنانية كساحة صراع إقليمي، واستهداف سلاح حزب الله. غير أنّ هذه القرارات ركّزت على النتائج أكثر من المصدر، أي على الحزب كفاعل محلي من دون معالجة مباشرة للدور الإيراني كراعٍ استراتيجي.

بدورها، تعاملت إيران مع قرارات مجلس الأمن كقيود تكتيكية، فالتفّت عليها عبر تعزيز نموذج النفوذ بالوكالة، وتحويل حزب الله إلى أداة ردع إقليمية تعمل ضمن هامش لا يجرّ مُواجهة شاملة، ما حدّ من فعالية مجلس الأمن في تقليص نفوذها الفعلي. 

ويرتبط القرار 1701 مباشرة بمحاولة ضبط الدور الإيراني في لبنان بعد حرب تموز 2006، عبر الحدّ من استخدام الجنوب اللبناني كمنصّة مُواجهة مع إسرائيل. إلا أنّ إيران لم تنسحب، بل أعادت تنظيم نفوذها عبر حزب الله، منتقلة من حضور عسكري ظاهر إلى إدارة غير مباشرة وأكثر انضباطًا.

لم يتراجع الدور الإيراني بقدر ما أعاد تنظيم أدواته: التزامٌ شكلي بترتيبات الجنوب، في مقابل تعزيز قدرات الحزب شمال الليطاني وفي العمق اللبناني. وبهذا المعنى، لم يُضعف القرار 1701 النفوذ الإيراني، بل دفعه إلى التحوّل نحو نموذج الوكالة المنظّمة، ما كرّس إيران لاعبًا استراتيجيًا في معادلة الردع الإقليمي من دون مُواجهة مباشرة. 

المراجع:  

 

2- Arab Center Washington DC. The Lebanese Civil War in Iran’s Narrative of Resistance [الحرب الأهلية اللبنانية في رواية إيران للمقاومة]. Arab Center Washington DC.
 
3-  جامعة الإسكندرية – كلية الآداب، https://aafu.journals.ekb.eg/article_6345_f09cb15f1f496448ab88289c195ab9a3.pdf 
5- أنشطة حزب الله الإقليمية في إطار دعم شبكة وكلاء إيران– HEZBOLLAH’S REGIONAL ACTIVITIES IN SUPPORT OF IRAN’S PROXY NETWORKS- washingtoninstitute